فهرس الكتاب

الصفحة 2002 من 3176

قيل: لو تحاب الناس وتعاطوا المحبة لاستغنوا بها عن العدالة، فالعدالة خليفة المحبة تستعمل حيث لا توجد المحبة.

وقيل: طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة فإن طاعة المحبة من داخل وطاعة الرهبة من خارج، ولهذا المعنى كانت صحبة الصوفية مؤثرة من البعض في البعض؛ لأنهم لما تحابوا في الله تواصوا بمحاسن الأخلاق ووقع القبول لوجود المحبة فانتفع لذلك المريد بالشيخ والأخ بالأخ، ولهذا المعنى أمر الله تعالى باجتماع الناس في كل يوم خمس مرات في المساجد من أهل كل درب وكل محلة، وفي الجامع في الأسبوع مرة من أهل كل بلد وانضمام أهل السواد إلى البلدان في الأعياد في جميع السنة مرتين وأهل الأقطار من البلدان في العمر مرة للحج كل ذلك لحكم بالغة منها تأكيد الألفة والمودة بين المؤمنين وفي الحديث: «ألا إن مثل المؤمنين في توادهم وتحابهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى» .

والتألف والتودد يؤكد الصحبة مع الأخيار مؤثرة جداً بل مجرد النظر إلى أهل الصلاح يؤثر صلاحاً والنظر في الصور يؤثر أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه كدوام النظر إلى المحزون يحزن ودوام النظر إلى المسرور يسر. وقد قيل من لا ينفعك لحظه لا ينفعك لفظه والجمل الشرود يصير ذلولاً بمقارنة الجمل الذلول، فالمقارنة لها تأثير في الحيوان والنبات والجماد والماء والهواء يفسدان بمقارنة الجيف والزروع تنقى من أنواع العروق في الأرض والنبات لموضع الإفساد بالمقارنة وإذا كانت المقارنة مؤثرة في هذه الأشياء ففي الصور الشريفة البشرية أكثر تأثيراً.

وقيل: سمي الإنسان إنساناً لأنه يأنس بما يراه من خير أو شر والتألف والتودد مستجلبان للمزيد

وإنما العزلة والوحدة تحمد بالنسبة إلى أراذل الناس وأهل الشر، فأما أهل العلم والصفاء والوفاء والأخلاق الحميدة فتغتنم مقارنتهم والاستئناس بهم استئناس بالله تعالى، كما أن محبتهم من محبة الله تعالى، والجامع معهم رابطة الحق ومع غيرهم رابطة الطبع، فالصوفي مع غير الجنس كائن بائن، ومع الجنس كائن معاين، والمؤمن مرآة المؤمن إذا التقى مع أخيه يستشف من وراء أقواله وأعماله وأحواله تجليات إلهية وتعريفات وتلويحات من الله الكريم خفية غابت عن الأغيار، وأدركها أهل الأنوار. كذا في «عوارف المعارف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت