فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 3176

قال القرطبي في «تفسيره» :

إن الصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نثر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطهما من الجنة فأخرجهما لأنهما خلقا منها وليكون آدم خليفة الله في الأرض ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)

وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة انتهى كلام القرطبي.

فهبوطه من الجنة هبوط التشريف والامتحان والتمييز بين قبضتي السعادة والشقاوة لأن ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية على ما في «كشف الكنوز» .

وأكثر المفسرين على أن المعنى انزلوا استخفافاً بكم لكن القول ما قالت حذام.

قال المولى الشهير بابن الكمال في «رسالة القضاء والقدر» عتاب آدم عليه السلام في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} (الأعراف: 22) عتاب تلطيف لا عتاب تعنيف وتعذيب وتنزيله من السماء إلى الأرض بقوله {اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً} تكميل وتبعيد تقريب كما في قول الشاعر:

سأطلب بُعْدَ الدار عنكم لتقربوا

{وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي: موضع قرار على وجهها أو في القبور. ثم المستقر ثلاثة: رحم الأم قال تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (الأنعام: 98) أودع في صلب الأب واستقر في رحم الأم.

والثاني: الدنيا، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} (البقرة: 36) والثالث: العقبى، أما في الجنة قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} (الفرقان: 24) .

وأما في النار، قال تعالى: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} (الفرقان: 66) الآية.

{وَمَتاعٌ} أي تمتع بالعيش وانتفاع به {إِلى حِينٍ} إلى آخر أعماركم وهو حين الموت أو إلى القيامة.

قال بعض العلماء في قوله تعالى: {إِلَى حِينٍ} فائدة لآدم عليه السلام ليعلم إنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت