وإنها لسماحة كريمة من رسول الإسلام أن يقر مثل هذا اللعب في مسجده المكرم، ليجمع فيه بين الدين والدنيا، وليكون ملتقى المسلمين في جدهم حين يجدون، وفي لهوهم حين يلهون، على أن هذا ليس لهوا فقط، بل هو لهو ورياضة وتدريب، وقد قال العلماء تعقيبا على هذا الحديث: إن المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع بين منفعة الدين وأهله جاز فيه.
فلينظر مسلمو العصور المتأخرة كيف أقفرت مساجدهم من معاني الحياة والقوة، وبقيت في كثير من حالاتها مقرا للعاطلين؟
ومن العجيب أن بعض المعاصرين ممن أقحموا أنفسهم على العلم الشرعي، رد هذا الحديث، وهو ثابت في الصحيحين، متفق عليه، بحجة أن المساجد ليست للهو ولا للعب! والمفروض أن نعرف مهمة المساجد في حياة المسلمين من السنة الصحيحة، لا من أعمال المسلمين في عصور التخلف والتراجع.
ويذكرني هذا بما شهدته في مسجد المركز الإسلامي في (لوس أنجلوس) بأمريكا، حين زرته في صيف (1975) وقد كان يعرض على المسلمين فيلما تعليميا، فثار بعض المسلمين، وقال: إن المسجد ليس دارا للسينما! وقد دخلت والمعركة محتدمة، فقلت لهم: إن المسجد موضوع لما فيه مصلحة المسلمين، وقد لعب الحبشة بحرابهم في ثاني مساجد الإسلام، وهو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي يشهد ذلك، ويشجعهم ويحثهم، ويتيح لزوجه عائشة أن تنظر إليهم، فلم يسع الجميع حين سمعوا ذلك إلا الإذعان {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
وإنه لتوجيه نبوي كريم في معاملة الزوجات وترويح أنفسهن بإتاحة مثل هذا اللهو المباح. قالت عائشة زوج النبي الكريم: «لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرُنِيْ بِرِدَائِهِ