وكيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فمن أين يأتيه الحزن؟
بل كان دائم البشر، ضحوك السن (1) صلوات الله وسلامه عليه.
وأما الخبر المروي: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِيْنٍ» (2) فلا يعرف إسناده، ولا من رواه، ولا تعلم صحته.
وعلى تقدير صحته: فالحزن مصيبة من المصائب، التي يبتلي الله به عبده. فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه، أحب صبره على بلائه.
وأما الأثر الآخر: إذا أحب الله عبدا، نصب في قلبه نائحة. وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا"فأثر إسرائيلي! قيل: إنه في التوراة. وله معنى صحيح. فإن المؤمن حزين على ذنوبه، والفاجر لاه لاعب، مترنم فرح."
وأما قوله تعالى عن نبيّه إسرائيل (يعقوب) : {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84] فهو إخبار عن حالة مصابة بفقد ولده، وحبيبه، وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه (3) . انتهى.
(1) قال عبد الله بن الحارث بن جزء: ما رأيت أكثر تبسما من النبي - صلى الله عليه وسلم -. رواه أحمد في المسند (17704، 17713، 17714) وقال محققو المسند: حديث حسن. ورواه ابن المبارك في الزهد (145) والترمذي في السنن (3641) وفي الشمائل (227) والبهقي في الشعب (8047) .
(2) رواه الحاكم في المستدرك (7884) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب (892) والهيثمي في المجمع (10/ 309) وقال إسناده حسن. وقال المناوي في فيض القدير وفيه إسماعيل بن أبي زياد الشافعي: قال في الميزان: قال الدارقطني: متروك يضع الحديث. فيض القدير (2/ 184) .
(3) مدارج السالكين (1/ 505 - 507) طبعة السنة المحمدية، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي.