فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 68

لديه؛ ومما يؤكد أن حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كثير من القضايا اجتهادي؛ تحذيرُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخصمَ من أخذ ما لا يستحق بدعواه - إذا كان قد كذَبَ في دعواه أو زَوَّرَ الحقائق - فقال - صلى الله عليه وسلم - (فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) فلو كان حكمه - صلى الله عليه وسلم - دائمًا هو الحق الذي لا مِرية فيه؛ لَمَا حَذَّر الخصمَ من أخذ ما حَكَمَ له به!

• فالراجح: أن حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن (الولد للفراش) هو حكم اجتهادي بناء على الظاهر أو الغالب، ومما يؤكد ذلك: أنه لم يُعْمِل قاعدة (الولد للفراش) في الولد الذي وَلَدَتْه امرأةُ (عُوَيمر العجلاني) ، الذي لاعَنَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين امرأته؛ مَرْجعه من تبوك، وأنكر (عُويمرُ) الحملَ الذي في بطنها [1] فلم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على (عويمر العجلاني) ، ولم يلحق الولدَ بفراش (عويمر) .

• وسبب عدم إلحاق النبي - صلى الله عليه وسلم - الولد الذي ادعاه سعد ابن أبي وقاص بـ (عتبة) ، هو لعدم قيام بينةٍ كافيةٍ تنقل النسب من (زمعة) صاحب الفراش إلى (عتبة) ، إذ لا يعدو فعل (سعد) أن يكون إقرارَ فردٍ على غيره، أو شهادةً على إقرار (عتبة بن أبي وقاص) ، وإقرارُ (عتبة) لا يعدو أن يكون دعوى لا دليل عليها، فلا يعتبر هذا الإقرار بينة كافية لإزالة حكم الفراش الثابت واقعا وعرفًا، خصوصًا أن المدَّعِي هنا له حظ فيما ادَّعى؛ حيث يريد تكثير نسله ورجاله، فهو كمن يشهد لنفسه، فهو متهم في دعواه أو إقراره حتى يثبت صدقه بالبينة، ولا بينة!

• وإذا قيل لِمَ لم يُعْمِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرائن في إلحاق الولد الذي وُلِدَ على فراش زمعة بعتبة مع أنه كان أشبه بعتبة؟ فالجواب: أنه لم يلحقه به ربما لعدم قوة الشَّبَه، أو لأن الشبه يمكن أن يكون لعدة أسباب، منها: الوحم، ومنها نزعة العرق، كما في الشخص الذي استغرب أن ولدت امرأته غلاما أسود فقال له

(1) انظر: سنن الدارقطني؛ تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت ج 4/ 417 رقم الحديث 39709.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت