المبحث الثاني
في استلحاق ولد الزنا
وفيه مطالب:
المطلب الأول: استلحاق مجهول النسب:
قد يقع الزنا بامرأة غير ذات زوج، فتلد؛ ويريد الزاني استلحاق ذلك الولد:
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: قال جمهور الفقهاء: لا يُلحق ولد الزنا بالزاني ولو استلحقه [1] ، واستدلوا بما يلي:
1 -بقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجْرُ» [2] قال أبو بكر الجصاص: قوله (الولد للفراش) يقتضي معنيين: أحدهما إثبات النسب لصاحب الفراش، والثاني أن من لا فراش له فلا نسب له، لأن قوله (الولد) اسم للجنس وكذلك قوله (الفراش) للجنس لدخول الألف واللام عليه فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر، فكأنه قال لا ولد إلا للفراش [3] .
2 -بأن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ( «قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ» ) بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ [أي: المالك] ، وَلَيْسَ لَهُ [أي: ليس للولد المُسْتَلْحَق] مِمَّا قُسِّمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقَسَّمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لا يُلْحَقُ وَلا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ، فَهُوَ مِنْ وَلَدِ زَنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ.
(1) الحاوي الكبير للماوردي 8/ 162، وقال في بداية المجتهد 2/ 358: اتفق الجمهور على أنَّ أولاد الزنا لا يلحقون بآبائهم، وقال في المغني 9/ 123: وولد الزنا لا يلحق الزاني في قول الجمهور.
(2) صحيح البخاري، ص 272 رقم 2053.
(3) أحكام القرآن؛ للجصاص، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، الناشر: دار المصحف، مصر، 5/ 160.