• قلت: إذا كان حرامًا وكبيرة انتسابُ الشخص لغير أبيه؛ إذًا تصحيح نسب من دعي لغير أبيه يعتبر واجبًا أداءً لما يترتب عليه من الحقوق!! ولَمَّا كرهت أمُّ عبد الله بن حذافة سؤالَه للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أبيه! قَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ [1] . ومكان الشاهد: أن عبد الله قال: لو بَيَّن لي رسول أن أبي حقيقةً غيرُ مَنْ نُسِبْتُ إليه؛ لانتسبت لمن نَسَبَني إليه؛ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
• لكن قد يقال: لِمَ لَمْ يكشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنساب المزورة؟ قلت: لم يثبت أنه عَلِم نسبًا مُزَوَّرًا أو مغلوطًا؛ لأن هذا يحتاج إلى علم حقيقي بمشاهدة أو بينة صحيحة ولم يحصل، أو يحتاج إلى وحي؛ ولم يثبت أنه أوحي إليه شيء في نسب شخصٍ معينٍ أنه مغلوط، فلم يبق إلا الظن أو الشك وهذا لا يقوى على مقابلة الظن المستصحب من كون الولد للفراش.
إن كان يصح انتسابه إليه بوجه من الوجوه ولو على البعد فهذا لا حرج فيه لأن الله تعالى قال للعرب {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (الحج: 78) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ) [2] ، وإبراهيم الخليل هو من أجداد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما إن انتسب لمن لا يعرف أنه من آبائه أو أجداده؛ فلا يصح هذا الفعل؛ لأن فيه تغييرًا للحقائق وكفرًا لحق الأب والعشيرة، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» [3] وقَالَ - صلى الله عليه وسلم - «لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ
(1) صحيح مسلم ط مكتبة الرشد، ص 606 رقم 2359.
(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم؛ تحقيق عبد القادر عطا ط دار الكتب العلمية بيروت، 2/ 453.
(3) صحيح البخاري، ص 578 رقم 4326، وصحيح مسلم ص 29، رقم 115.