فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 68

• وإذا تصادم السببُ الشرعيُّ الذي شرعه الله تعالى مع السببِ الحسيِّ؛ فالمعول عليه اعتماد السبب الحسيِّ؛ لأنه مُطَّرد لا يتخلف! وهو أزلي قبل وجود السبب الشرعي، والسبب المعنوي أو الشرعي طارئٌ، ومتغيِّرٌ، حسب شرائع الأنبياء، ومراعاة السبب الأزلي الثابت أولى من مراعاة السبب الطارئ والمتغير، فكون جماع الرجل للأنثى سببًا للولد، هو سببٌ أزلي سابقٌ على تحريم الزنا وسابقٌ على تحريم الزواج من الأخوات الذي كان مباحًا في عهد آدم عليه السلام، وسابق على إجراء عقد النكاح المبيح للزوجة.

• ويمكن أن نجد دليلا في الشرع على تقديم السبب الحسي على الشرعي؛ في القتل الخطأ؛ حيث اجتمع فيه سبب حسي طبيعي، وسبب شرعي ينفي الخطأ في قوله - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [1] فلما تناقض ظاهر الخبر مع حقيقة القتل الواقعة التي لا يمكن رفعها؛ اضطر العلماء إلى التوفيق بين الأمرين فقالوا: لما كان الخطأ لا يمكن رفعه؛ إذًا لابد من حمل الخطاب الشرعي على معنى مقبول وهو رفع إثم الخطأ [2] .

• ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [3] , فهاهنا إما أن نقول بنفي حصول الزنا من المؤمن، وإما أن نقول بنفي الإيمان عن الزاني، وإما أن نقول بنفي كمال الإيمان، أما الاحتمال الأول فمردود لأن الزنا حقيقة مادية قد حصلت، وأما احتمال زوال الإيمان فمردود أيضًا لحديث أبي ذر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ

(1) السنن الكبرى للبيهقي؛ ط، دار المعرفة، بيروت، 7/ 584 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، 1/ 358 رقم 1731.

(2) انظر: الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين الآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت. ج 3/ 64.

(3) صحيح البخاري ص 238 رقم 2475 وصحيح مسلم ص 27 رقم 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت