القول الثاني: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إِذَا ادَّعَاهُ بعد قيام البينة، وبه قال ابن سيرين وإسحاق ابن رَاهَوَيْهِ وقال إبراهيم النخعي: يُلْحَق ولدُ الزنا بالواطئ إذا أُقيم عليه الحد، ويرثه، وهو قول عروة بن الزبير وسليمان بن يسار، وزاد إبراهيم النخعي بأنه يلحق به أيضًا إذا مَلَكَ الموطوءَة، وقريب من هذا قول أبي حنيفة: حيث إنه لا يرى بأسًا بتزوج الرجل المرأة التي زنى بها وحملت منه، فيستر عليها ويكون الولد ولدًا له [1] . واستدلوا بما يلي:
1 -بما جاء في الحديث الصحيح عن جريج العابد عندما اتهمه قومه بالزنا (وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلانٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا.) [2] ووجه الاستدلال بهذا الحديث؛ أن جُرَيْجًا؛ نَسَبَ ابْنَ الزِّنَا لِلزَّانِي، وَصَدَّقَ اللهُ نِسْبَتَهُ بِمَا خَرَقَ لَهُ مِنَ الْعَادَةِ فِي نُطْقِ الصَّبِيِّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ جُرَيْجٍ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، فَكَانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ صَحِيحَةً بِتَصْدِيقِ اللهِ تَعَالَى وَبِإِخْبَارِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، فَثَبَتَتِ الْبُنُوَّةُ وَأَحْكَامُهَا. قال ابن القيم: هذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب [3] . قلت: وقد يجاب على هذا الاستدلال؛ بأن قصة جريج من شرع من قبلنا ولا يلزمنا.
(1) الحاوي الكبير للماوردي 8/ 162، وقال في بداية المجتهد 2/ 358: اتفق الجمهور على أنّ أولاد الزنا لا يلحقون بآبائهم، وقال في المغني 9/ 123: وولد الزنا لا يلحق الزاني في قول الجمهور. وانظر: زاد المعاد 4/ 146.
(2) صحيح مسلم ص 622 رقم 2550.
(3) زاد المعاد، 4/ 146.