ومن أعظم قضايا النفس ضرورة وجود المثال المحبوب، ولا يقدر المرء على تخطيها، فهي فطرة من الفطر التي جبل عليها.
ولذك من الإيمان محبة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه كما في الحديث، وهذا الحب يصنع، ويجاهد لتحصيله، وأول سبل تحصيله وكسبه هو معرفة خصال هذا النبي العظيم كما هي، إذ كان هذا الباب هو من أسباب هداية الصحابة لهذا الدين، ثم تزداد المحبة بزيادة القرب له، والتعرف عليه، والانشغال بأخباره صلى الله عليه وسلم.
هذا الكتاب صنفه عالم جليل، ضرير البصر، لكنه مبصر البصيرة، جرى فيه على سنن العلماء في شغل الناس والمسلمين بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، وما كان عليه من خلق جبلي، وصورة مختارة من الله، ثم ما عليه من سلوك وحياة.
شيخه البخاري كتب هذا في صحيحه، ثم أفرد للآداب النبوية كتابًا سماه: الأدب المفرد، وهذا الصنيع من أمثال هؤلاء العلماء مرده الرد على من قام بترجمة أخبار الفرس والهند وبسط أخلاقهم وحكمة أقوالهم، فكأنهم رأوا اختراقًا للغير لقلب هذه الأمة، بل هو الاختراق بعينه، فكان هذا التصنيف الأثري الحديثي ليبقي صلة الأمة بخلق إمامها، وهدي إمامها، وسلوك خاتم الأنبياء والمرسلين.
طريقة المحدثين من سلفنا في الرد على الاختراقات العلمية والنفسية لها مسالك متعددة، ومن هذه المسالك طريقة أهل الحديث، حيث يصنعون النموذج السليم كما هو، ويعرضونه كما هو، ويتركون للناس الاستقاء منه، والأخذ من درره ومعانيه، والناس في زمانهم يفهمون هذا، ويعلمون حكمته، وذلك دون أن يرفعوا شعارًا على كتبهم أنها رد على كذا وكذا، ومن تأمل تراجم البخاري مثلًا علم هذا الأمر جيدًا، وكذا من قرأ كتاب الرسالة للإمام الشافعي علم أنه يرد على آخرين، وهكذا كانت طرائقهم تحمل الحكمة الخفية، فتسلك في الناس مسالكها الهادئة.