بعض الخلق يظن أن الإسلام به ابتدأ، وعند علومه وقف، وذلك لضيق أفقه، وقلة عقله، وعدم علمه بفضائل الخلق، ولا هو مطلع على تنوع فضائل الشرع، ولا معارك الدين، فكل خير لا يأتي من وجه ما يعلم فليس بعلم، وإن أحسن فهو من ملح العلم عنده لا من أصله، وكل فضل في الخلق ينزل عليه أولًا ثم يتوزع في الناس، وإن قيل له: اذكر فضائل الخلق في الوجود، لم يربطهم إلا بما معه من علم، ولا يقول فيهم من خير إلا وازنهم بميزان عقله وعلومه وموافقتهم له، فكأنه قطب الوجود، وعينه، وما أوتي إلا من قبل جهله بالعلوم وتنوعها في الشرع، وقد يبلغ المرء فيما هو فيه من العلم ما يبلغه غيره من علم يرتبط بالشرع وأحكامه، وذلك لأن الله نوع الأبواب في الدخول عليه، وجعل فضائل الدين متفرقة بين العلماء والعاملين.
أقدم هذا الكلام تنويهًا لفضل هذا الشيخ الذي أفرغ حياته مع النحو، وخدم كتاب الله خدمة عظيمة، وذلك في كتابه العجيب"دراسات في أسلوب القرآن الكريم"، وقد استغرق في كتابته ما يقارب ستة وثلاثين عامًا، رحمه الله تعالى.
عاش مع القرآن، ولغة القرآن، ثم لما أخرج هذا الكتاب نوه الشيخ محمود شاكر أن هذا الكتاب ليس كتاب فهرسة، بل كتاب يصلح للدخول في علم إعجاز القرآن الكريم، والذي ما زال مفتوحًا لكل مجتهد.
كتاب"محمد عبد الخالق عضيمة، سيرة حياة"لتركي بن سهو العتيبي كتاب رائع، وكاشف عن جوانب عظمة هذا الشيخ الجليل، يعرف به، وبمقالاته، وبحياته، وبشيء من سيرته، وحين تغوص فيه تشعر أنك أمام إمام عظيم، خرج من التاريخ ليحيا في هذا الزمان، ينافح عن العربية، والنحو فيها خاصة، باقتدار عجيب، فهو لا يرد على المعاصرين فقط، ممن ابتلي بهم هذا الزمان، وما يطلقونه من أحكام سريعة بلا تدبر ولا فكر، ولكنه يرد على الكبار، من أمثال ابن مضاء الظاهري في كتابه الشهير"الرد على النحاة"، وفي هذا الكتاب من المقالات العظيمة، وذلك لجمعه بعض أخبار الأحنف بن قيس، وبعض فوائد أبي حيان الأندلسي في تفسيره، وهكذا، يجمع مقالات كثيرة للشيخ، لعلها توصلك إلى قيمة هذا الجبل الكبير.