فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 182

ربما لا تقدم لك هذه الذكريات أكثر مما تعرف عن رجل عاش العسكرة والجندية والسياسة، ينتصر، ويخفق، ويعادي، ويوالي، ويبرز شيئا يسيرًا عن حياته الشخصية، ويذهب جاهدًا في إبراز خصاله الخاصة، حتى لو كان في الحقيقة كحال مقاتل من الصحراء، لم يجد في تاريخه العسكري وهو في طور التجنيد مما يفتخر به إلا أنه كان يهرب من الكلية ليقضي نهمه في الطعام والتسكع والرذيلة، ومع ذلك، هو رجل مقاتل، ومن الصحراء، والتي لا يعيشها المرء إلا في القصور المتخيلة في ألف ليلة وليلة.

جانب آخر، وقد أتيت عليه في مواطن أخرى من الحديث عن ذكريات يهود، في بنائهم لدولتهم، وهو أن القوم لم يقصروا في سبيل هذا الحلم، والذي لن يعيش طويلًا بعد اليوم، لكن مما يميز مسيرتهم هو الرعاية التامة لهم، وفرق بين رجل يمشي عاملًا جهده في سبيل مراده، ولكنه يجد الرعاية من محيطه، بل من خصومه، وبين رجل يسعى جاهدًا لتحصيل هدفه، ولكنه مع كل خطوة يخطوها يجد ألف عدو، من أمامه ومن خلفه، لا شغل لهم إلا قتله والانتهاء منه.

لقد اعتنت بهم الدول، والإمبراطوريات، والبنوك، وممولو الأسلحة، ولم يكن جهدهم في هذا الباب إلا توسيع الحلم أو استعجاله، فليس تفجير فندق داود في القدس إلا على هذا المعنى، مع دولة حملت لهم الحلم حقيقة، وقرارًا أمميًا.

بعد الانتهاء من هذا الكتاب، تحس أن الكثير من السر ما زال مكتومًا في قضية هذه الدولة المسخ، ولكن تذكر أن التاريخ لا يجوز أن يقرأ مختصرًا، ولا يجوز بالتالي أن يقرأ كتاب مذكرات من خلال كليمة.

وبقي بعض الألم: ما زلنا نقرأ ما عندنا، ونفهم تاريخنا من كلمات خصومنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت