وبرِمتَ بالطبقات يَحْلِبُ بعضُها ... بعضًا كما حَلَبَ الرعاةُ الشاءَ
ووددتَ لو لم تَعْتَرف شرَّيهما ... لا الأغنياءَ بها ولا الفُقراءَ
وجَهِدتَ أنْ تُمضي قضاءكَ فيهما ... لِتُشيدَ مُجْتَمَعًا يفيضُ هَناءَ
ويستثمر الشَّاعر العطف وسيلةً لزَجِّ جمل منفية يراكمها وهو على وعي بأن آلية العطف تسمح له بعطف المثبت والمنفي فيتسع مجال استعماله في القصيدة فقال في قصيدة:
"جمال الدين الأفغاني" [1]
صليبَ العود لم يَغمزْك خَوْفٌ ... ولم تَسهَلْ على التَّرفِ انعقاِدا ... ج
ولم تنْزِلْ على أهواءِ طاغٍ ... ولا عَمّا تريدُ لما أرادا
ولم تجدِ الاماني والمنايا ... مُبَرّرَةً عن الحَقِّ ارتدادا
ولم أرَ في الرِّجال كمستمدِّ ... من الحقّ اعتزازًا واعتدادا
وكان معسكرانِ: الظلمُ يَطْغى ... ومظلومٌ فلم تَقفِ الحيادا
ولم تحتجَّ أنّ البغي جَيْشٌ ... وأنَّ الزاحفين له فُرادى
ولا أن الليالي مُحرِجاتٌ ... وأنَّ الدهر خَصْمٌ لا يُعادى
وأنّ الأمرَ مَرْهونٌ بوقتٍ ... ينادي حين يأزفُ لا يُنادى
إنَّ تعدد العطف قد يضعف الشَّاعر ويستهلك قدرته وطاقته في التصوير لكن الجواهري يستثمر العطف بسيل من الصور والمعاني الموحية مما يجعله محافظًا على متانة لغته وأسلوبه ويسمح له بمَدِّ نفسه الشِّعري بوصفه وسيلة سهلة لا تحتاج عناءً طالما امتلك الشَّاعر اللغة وسعةَ الخيال.
(1) الديوان: 3/ 99 وينظر قصيدة"ألقَتْ مراسيها الخطوب"3/ 111، و"عبد الحميد كرامي"4/ 39 و"اللاجئة في العيد"
4/ 113 وغيرها.