مِنْ الجُمَل مِنْ غير حاجة تستدعي الخروج عن محور الحديث الذي اختاره فلو تأملنا قصيدة"يا غريب الدار" [1] لوجدناه يفتتح القصيدة باستفهام يكرِّره في المقطع الأول باستعمال"مِنْ"الاستفهامية الَّتي يُكنِّى بها عن العاقل ويُشْعِرُ الاِستفهامُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلةِ أَنَّ الشَّاعر في موقف المستغيث فيقول:
مَنْ لِهَمٍّ لا يُجارى ولآهاتٍٍ حيارى
ولمطويٍّ على الجَمْر سِرارًا وجهارا
طالِبًا ثِأْرًا لَدَى الدَّهْر الَّذي يَطْلُبُ ثارا
منْ لناءٍ عافَ أهلًا وصِحابًا وديارا
تَخِذَ الغُرْبَةَ دارًا إذْ رأى الذُلَّ إسارا
إذْ رأى العيشَ مُداراةَ زَنيمٍ لا يُدارى
مَنْ لِستيِّنَ انطوَتْ مثلَ دمِ العَبْدِ جُبارا
سوقِطَتْ رَجْمًا كما يَرْمِي المُلَبُّون الجِمارا
فبنى هذا المقطع على اسم الاستفهام"مَنْ"بدلالته على العاقل وغيره فيستغيث بِهِ الشَّاعر أيًّا كان غَيْرَ مرَّة وينَوُّع في صُوَر المستغاث له لكِنَّها تدلُّ دلالة واضحة على أَنَّها صورة الجواهري نَفْسِهِ الَّذي تَعْتَصِرُ الغُربة والكَمَد نَفْسَهُ فتفورُ بالغيظ والحَنَق. والشَّاعر في هذا الجزء مِن القصيدة يناوب في استعمال الجُملة الفِعْلية والجُملة الاسمية لكِنَّه في الحَقِيقَة يتطَّلبُ فِعْلًا يُخفِّفُ عَنْ نَفْسِهِ وَطْأَةَ الغربة فلا تلعبُ الجُمْلَة الفِعْلية دورًا أساسيًا في البناء فاستعملها وسيلةً للوصف مِنْ خلال مجيئِها جملةً نَعْتِيَّة بَعْدَ الاستفهام في قوله:
مَنْ لهمٍّ لا يجارى
مَنْ لناءٍ عاف أهلًا تَخِذَ الغُرْبةَ دارا
مًَنْ لِستِّين انطوت
سوقطت رجمًا
(1) الديوان: 5/ 195.