فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 60

السباع والسباع تختلف عن الأسماك والبر يختلف عن البحر, وهكذا كلٌ له بيئة تهيأ له، لكن إذا نظر كل مخلوق إلى ذاته رأى امتيازًا له على غيره, ولو كان كذلك لافتخرت الطيور بالطيران على السباع, وافتخرت الأسماك بكونها في الماء على ما كان في البرية, والإنسان إذا سُلب الهداية إلى الله سبحانه وتعالى فإنه يكون أضعف وأضل من الأنعام سبيلا، فإن للبهائم قدرة على بعضها البعض، ولها سطوة على بعضها البعض، وقد ميز الله عز وجل الإنسان بهذا العلم, وهو الاهتداء إلى الله سبحانه وتعالى, ولهذا نجد في القرآن أن الله عز وجل لا يذكر الإنسان إلا بصيغة الذم؛ لأن دائرة الإنسانية المجردة ليست كرامة, فليس من المحامد وصف الشيء بالإنسانية؛ لأن الإنسانية صنف من مخلوقات الله سبحانه وتعالى يشارك غيره في الضرب في الأرض, ولكن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان بالإيمان والتوحيد، والأصل في من وصف بأنه إنسان أنه على خسار, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:1 - 3] ، فالله عز وجل لا يذكر الإنسان في القرآن إلا في سياق الذم كالخسران، فالإنسانية وصف لحال مخلوق من مخلوقات الله عز وجل فإذا لم يخرج من تلك الدائرة كان كحال البهائم أو دون ذلك، ولهذا الله جل وعلا وصف المشركين والكفار ومن أعرض عن الله عز وجل بأنهم كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] .

... فضل الله على الإنسان

فقوله: (وكان فضل الله عليه عظيمًا) ، يعني: ما أنعم عليه من تلك النعمة, حيث أنزل عليه وحيه وأرسل إليه الرسل وأقام له النذر، فكرمه الله عز وجل بهذه العبودية لأعظم معبود سبحانه وتعالى، إذ لا معبود بحق إلا الله، يقول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58] (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ) )، وفضل الله عز وجل هو الإسلام، وكان السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالى يسمون فضل الله عز وجل: الإسلام؛ كما جاء عن عبد الله بن عمر وغيره أنه كان يقول: اللهم كما هديتني للإسلام فلا تقبضني إلا وأنا مسلم.

... تنبيه الإنسان بآثار صنعة الله

قال المصنف رحمه الله: [ونبهه بآثار صنعته، وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه، فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله] .

قوله: (ونبهه بآثار صنعته) ، أي: أن الله سبحانه وتعالى أمره بأن ينظر بتلك الحواس في مخلوقات الله عز وجل، كالأفلاك والنجوم, فينظر في السماء, وينظر في السحاب وتأليف الله عز وجل بينها, وينظر في الأمطار والأرض في حال اهتزازها وربوتها إنباتها, وكذلك في عودتها بعد ذلك كأنها لم تكن على خضرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت