الساعة آتية لا ريب فيها وهي قائمة إلى أجل لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى, والله جل وعلا جعل لها أجل, لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187] , سبحانه وتعالى, ولكن الله عز وجل جعل لها علامات وجعل لها أشراطًا، جعل لها أشراطًا كبرى وأشراطًا صغرى، وكل ذلك جاء في الوحي، ومن علاماتها وأماراتها ما لم يذكره الله سبحانه وتعالى, ولم يذكر الله عز وجل زمنًا, وإنما ذكر وصفًا وتقريبًا؛ كيوم الجمعة مثلًا ولكن لا يعلم في أي أسبوع أو شهر أو عام، كذلك أيضًا في ساعتها من أي زمن من هذا اليوم، ولهذا نقول: إن الله عز وجل هو الذي يجليها لوقتها سبحانه وتعالى، وجعل لها علامات وأمارات حتى يقرب الإنسان من ربه سبحانه وتعالى ويستعتب ويستزيد من الطاعة ويقلل من المخالفة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرًا إلى مشيئته، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ].
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وجعل السيئة بمثلها، وجعل الله عز وجل الحسنات تذهب السيئات، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ، وكما أن الحسنات تذهب السيئات كذلك السيئات تمحو الحسنات، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] ، فرفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم لغير تنقص ليس بكفر، وهو من ضعف الأدب، ليس المراد بذلك رد ولا استهزاء ولا احتقار ولا تنقص؛ لأن هذه الآية نزلت في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وذلك أن بعضهم يرفع صوته على بعض والنبي صلى الله عليه وسلم يتكلم, فجعل ذلك موجبًا لإحباط العمل.
كذلك أيضًا في قول الله جل وعلا: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264] ، وما جاء أيضًا في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: لأم زيد بن أرقم لما تبايع بالعينة: (أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب) ، ولهذا نقول: إن السيئة قد تمحو الحسنة, والحسنات تمحو السيئات، ولهذا نقول: إن بين الحسنة والسيئة مغالبة، هذه تغلب هذه وهذه تغلب تلك، ولكن محو الحسنات للسيئات أعظم من محو السيئات للحسنات؛ لأن الحسنات تضاعف، فإذا كانت حسنة واحدة تضاعفت وقويت من جهة المحو على غيرها، والسيئة تكون واحدة فلا تقوى على سيئة واحدة،