ينفع مع الكفر عمل صالح, وهل يضر مع الإيمان معصية؟ نعم؛ لأننا نقول: إن الكفر الأكبر شعبة واحدة, إذا تحققت فإن الكفر يتحقق بالإنسان, وإن تنوعت صوره وأحواله وأقواله, بالنسبة للإيمان أن الإيمان لا يكتمل في الإنسان إلا باجتماع شعبه, أما الكفر فبورود شعبة من شعبه يكفر الإنسان, وهذا هو الفرق بين الإيمان وبين الكفر, فالكافر يكفر بمجرد فعله لمكفر واحد كسجود لصنم, أما المؤمن فلا يكتمل إيمانه لمجرد عمله طاعة واحدة, بل لا بد أن تكتمل شعب الإيمان فيه, وتنتفي أيضًا شعب الكفر, بخلاف الكفر، فشعبة واحدة من شعب الكفر الأكبر كافية في كفر الإنسان كفرًا أكبر ولا ينفعه من ذلك شيء من الأعمال الصالحة التي يعملها, ولهذا نقول: هذا هو الفرق بين مسألة الإيمان ومسألة الكفر في هذا الباب.
وكذلك أيضًا بالنسبة لزيادة الأعمال, زيادة الأعمال تزيد ظاهرًا وباطنًا, وزيادتها في الباطن أقوى من زيادتها في الظاهر, فإن العمل الذي يكون في باطن الإنسان إذا عظم جعل من العمل اليسير عظيمًا, وإذا استهان الإنسان بالمحرم حوله ها من ذنب صغير إلى ذنب عظيم, وإذا فعل الإنسان الذنب العظيم بوجل وخوف من الله سبحانه وتعالى حوله من ذنب عظيم إلى ذنب صغير؛ لأن عمل القلب في التعظيم والتحقير أعظم من عمل الظاهر, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وهما اللذان قال فيهما ابن شهاب: أعجب حديثين, قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها, لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) , يعني: حتى ماتت.
والحديث الثاني: (كان فيمن كان قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط, فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إن أنا مت فأحرقوني, ثم اطحنوني, ثم ذروني في الريح, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد من العالمين, فلما توفي فعل به أبنائه ما أوصاهم به, فقال الله عز وجل لجسده: كن فلانًا فكان فلان, وقال: ما حملك على هذا؟ قال: خشيتك يا رب, قال: قد غفرت لك) , المرأة دخلت النار في هرة حبستها, مفهوم ذلك أنها لم تحبس آدميًا، ولم تقتل إنسانًا, لأن دخول النار بالآدمي أولى وأعظم, يعني: أعظم ذنب لديها هو حبس الهرة والذي أوجب دخولها النار, ولماذا ذكر الحبس ولم يذكر القتل؟ لأن الحبس يلزم منه عدم الاكتراث؛ لأنه ليس موتًا فوريًا, يغلق الباب ثم يبقى ساعات أو ربما أيامًا, ولا يبالي, ويستحضر في ذهنه أنها لا تجد طعامًا ولا تجد شرابًا ومع ذلك يصر على هذا العمل, الإنسان قد يصيبه فورة غضب ويقوم بالقتل, سواء لبهيمة أو غير ذلك, هذا أهون ممن يقتل بالحبس؛ لأن هذا هذا دليل على عدم اكتراث القلب وعدم استحضار هيبة وحساب الخالق سبحانه وتعالى, فعظم هذا الذنب فأوجب دخول النار.