قوله: (وعلمه ما لم يكن يعلم) فالإنسان ولد جاهلًا لا يعلم من العلم شيئًا ثم الله عز وجل علمه، ومنافذ العلم التي توصل العلم إلى الإنسان هي حواسه الخمس، فالبصر منفذ إلى داخله ليعلم، وكذلك السمع، وكذلك الشم، وكذلك الإحساس، وكذلك الذوق، فهذه حواس الإنسان الخمسة، وثمة حاسة سادسة وهي النفس, أي: ما يقوم في ذات الإنسان من معنى، فالإنسان يشعر بالحزن والهم, وأيضًا بالكره والبغض شعورًا نفسيًا, ولا يرى ذلك ولا يسمعه ولا يشمه ولا يحس به ولا يتذوقه، إذًا فهذه المعارف وهذه العلوم تصل إلى الإنسان عبر حواسه الخمس وزيادة الحاسة السادسة وهي المعنى القائم بالنفس، ولهذا هيأ الله عز وجل للإنسان هذه المنافذ حتى يصل إليه العلم, سواء كان العلم المشاهد مما يراه الإنسان من أمور الدنيا، أو كان علم الغيب الذي لا يصل إليه إلا بواسطة السمع, وهي الأمور التكليفية من أمور العبادة، والتي مردها إلى السمع هي المرادة هنا بالكلام عليها، ولهذا الله جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] ، ولم يقل: حتى تريه الكون، أو حتى تريه الأرض أو السماء أو الفجاج, بل قال: (حتى يسمع كلام الله) ؛ لأن الإنسان لن يعرف الله عز وجل إلا بوحي الله, ثم يستدل ويهتدي على أصل وجود الله وعلى وحدانيته بما يراه في هذه الكون, فلا يمكن أن يهتدي إلى معرفة تفاصيل صفات الله عز وجل وحقه سبحانه وتعالى في العبادة, ومعرفة أنواعها إلا بما شرع الله جل وعلا, وما شرعه الله عز وجل موجود في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل علم الإنسان ما لم يعلم، فعلمه أمر الدنيا, وكذلك أمر الدين، على أمر الدنيا بما خلق له من عقل ومنافع حتى يستفيد منها الإنسان في معرفة الخير من الشر, وكذلك أيضًا علم الوحي, والأصل أن العلم إذا أطلق في كلام الله أنه يراد به علم الوحي من الكتاب والسنة إلا لقرينة صارفة عن ذلك, أو مدخلة لشيء من علوم الطبيعة في هذا العلم، ومع ما آتى الله عز وجل الإنسان من علم إلا أنه قليل، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] .
قوله: (وكان فضل الله عليه عظيما) ذكر سبحانه وتعالى أنه علمه ما لم يكن يعلم, ثم ذكر أن فضل الله عز وجل عليه عظيم؛ وذلك أن أعظم فضل هو علم الوحي، أعظم فضل ونعمة على الإنسان علم الوحي, وبدون علم الوحي يخرج الإنسان من دائرة البشرية إلى دائرة البهيمية؛ لأنه يشترك مع البهيمة في الأكل والشرب والضرب في الأرض من غير بصيرة ولا هداية، وقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل, فإذا لم يستعمل العقل إلا في الأكل والشرب فإن البهائم تستعمل عقلها في الأكل والشرب أدق من الإنسان, وتهيء لنفسها بيئة تعيش فيها كما يهيئ الإنسان لنفسه بيئة يعيش فيها، فالطيور وكذلك الأسماك والسباع في البرية ونحو ذلك تهيئ لنفسها من بيئتها ما يناسبها كما يهيئ الإنسان لنفسه ما يناسبه، فالطيور تهيئ عشها, وتغذي فراخها, وتعتني بأمنها ونحو ذلك؛ كما يهيئ الإنسان، وكل مخلوق له بيئته، فالطيور تختلف عن