من حكم الله سبحانه وتعالى ما لا يدركه الإنسان ولا يحصيه، وذلك في أمثال هذه القضية وهي قضية القدر، ولهذا يقول أبو حنيفة رحمه الله لما سئل عن هذه المسألة وهي مسألة القدر قال: هذه مسألة مقفلة وضاع مفتاحها.
ويقول ابن تيمية رحمه الله: هذه المسألة ما من أحد إلا وفي نفسه حسكة, يعني: في شيء من معانيها ولكنه لا يدرك ذلك؛ لأن الحقائق تتعلق بإدراك الإنسان، وعقل الإنسان، هو حاسة من الحواس الموجودة في ذات الإنسان، ونفس الإنسان هي نوع من المدركات، منها ما يدرك الإنسان الحقيقة ومنها ما لا يدركه، الإنسان إذا قلنا: إن عقل الإنسان وذهنه يستوعب شيئًا معينًا كحال هذا الكأس، فالكأس لا يمكنه أن يستوعب البحر، ولو أفيض إليه سيطويه ثم لا يستفيد شيئًا، ولهذا نقول: إن من حكم الله سبحانه وتعالى ما لا يدركه العقل ويحجبه الله عز وجل لعدم إدراكه, ولو أعطاه إياه لزاده تحيرًا، ولهذا يقول بعض العلماء: إن من الحقائق كلما زاد الإنسان فيها تأملًا ازداد تحيرًا.
إن الإنسان حينما ينظر في الشمس هل يزداد بصيرة أو يزداد ألمًا وتحرقه الشمس ولا يستفيد؟! كذلك من حكم الله عز وجل ما تحرق الأذهان والعقول، لأننا لو قلنا: إن الإنسان يدرك كل حكمة فما الفرق بين علم الخالق وبين علم المخلوق؟ ولهذا ينظر الإنسان في مكتشفاته وإدراكه وما يفتح له وكذلك من تصرفات أهل العمل في الماديات وغير ذلك ما يعجب الإنسان منه, ثم بعد ذلك يستسيغه ويرى أنه شيء عادي ثم يبحث عن غيره، إذًا اندهاش الإنسان لا ينتهي, ومنه ما يدركه ومنه ما لا يدركه، وأمره الله عز وجل بأن يكل العلم إليه، وهل كل شيء يستطيع أن يسمعه الإنسان؟ .. لا، ومن الأصوات ما لو أراد الإنسان أن يسمعه لصعق ومات؛ ولهذا إذا نفخ في الصور يصعق من في السماوات والأرض بسبب ماذا؟ أنه خارج طاقة الإنسان، خارج طاقة الإدراك، كذلك الضوء، من الضوء ما لو فتح على الإنسان لزال بصره, ومن الحكم أيضًا ما لو فتح وأفيض على العقول لتحيرت ولم تدرك من ذلك شيئًا، لهذا نقول: إن إدراك الإنسان وحواسه مثلًا لها إدراك معين كحال الكأس، ونقول: خلق الإنسان لا يستوعب أمثال هذه الحكمة؛ ولهذا الله عز وجل يحجب حكمًا عظيمة عن عقل الإنسان أن يدركها، ولو أراد وقال: أريدها كحال الإنسان يقول: ضع البحر هنا, فلو وضع فيه لانغمس وتاه؛ ولهذا المتكلمون الذين يطلبون العلل للأحكام الشرعية والبحث عنها يعيشون في دوامات ثم يرجعون إلى دين وعقائد العجائز، لأن الله عز وجل ما حجب أمثال هذه العلل إلا لأن العقول لا تدرك، ولهذا ينبغي للإنسان إذا سمع شيئًا وعجز عن إدراكه هل له أن ينفيه وقد ثبت به النص أم يقول سمعنا وأطعنا؟ يقول: سمعنا وأطعنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء من أخباره دليلًا قائمًا في الكون، ولكن ربما الإنسان يدركه وربما لا يدركه، فكفار قريش لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لم يدخل هذا في دائرة التصديق البشري في