قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين] .
بيّن الله سبحانه وتعالى أن الشهداء عنده جل وعلا يرزقون، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] ، جعل الله عز وجل لهم حياة يختلفون عن غيرهم، أما غيرهم فالله عز وجل يقبض أرواحهم ثم تعاد إليهم في البرزخ ويسألون ثم يرجعون إلى الموت وتبقى أرواحهم بين نعيم أو عذاب بخلاف الشهداء فإنهم يموتون ثم يحيون ويبقون على ذلك، ثم الله عز وجل يحيي أجسادهم بعد ذلك كما يحيي غيره، جاء في فضائل الشهيد جملة من ذلك: ألا تأكل الأرض بدنة ونحو ذلك، فيها جملة من الأحاديث وفيها ضعف، لكن هذا ثابت في الأنبياء وليس بثابت في الشهداء ولكن بعض العلماء يجزم بهذا، قال: لاشتهاره واستفاضته.
يقول: (وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون) ، تقدم معنا الكلام على مسألة الروح والنفس، وأن الإنسان له روح ونفس ونمو, وأن البهائم فيها أنفس ونمو، وأن الأشجار فيها نمو وليس فيها نفس ولا روح، وأن الجمادات لا روح ولا نفس ولا نمو فيها، ومن العلماء من يجعل للبهائم أرواحًا؛ كحال الناس، ومنهم من يجعل البهائم يقبضها ملك الموت كما يقبض أرواح بني آدم، ويروى هذا عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله.
يقول: (وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون) ، وذلك أن مقام الروح بالنسبة للجسد كمقام الجسد بالنسبة للقميص، فإن الروح إذا خرجت من الجسد كالجسد إذا خرج من القميص لا أثر ولا قيمة للجسد حينئذ إلا والروح قائمة فيه، ولهذا لا يؤذى المؤمن بأكل الأرض لبدنه كما لا يؤذى الجسد بأكل الأرض لقميصه، ولهذا وجود الروح هي التي يتألم بها الإنسان إذا كانت في البدن، وأشد العذاب إذا وقع على البدن مع وجود الروح فيها، ويقع العذاب أيضًا على الروح منفصلة عن الجسد كما يجد الإنسان الآلام حتى في أحلامه، يرى حلمًا يتألم فيه وجسده لم يصب، يتألم ويعذب برؤيا أو ما يسمى بكابوس أو نحو ذلك مما يأتيه من الشيطان, ثم يستيقظ ويجد أن بدنه معافى والذي عذب إنما هو الروح، كذلك الله عز وجل ينزل عذابه على من شاء من أرواح عباده ممن كتب الله عز وجل عليهم العذاب، ومنهم من ينزل الله عز وجل عليه العذاب على بدنه مع روحه إلى أمد في حياة البرزخ ثم يقبض الله عز وجل روحه بعد ذلك من جسده ويبقى العذاب على الروح، ولله عز وجل مقادير وآجال وحكم في ذلك أيضًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْل