سياقها، فنجد أن أصول العقائد من جهة الأصل هي أولى بالاهتمام من الفروع، ونجد أن من الفروع ما هو أولى بالاهتمام من بعض جزئيات مسائل العقائد؛ كفرعيات الأسماء والصفات, لا أصولها, فإن هذه يفوقها ما يتعلق ببعض أصول الفروع, وغير ذلك، لهذا نجد أن ثمة تداخلا ومغالبة بين أهمية هذه المسائل المتعلقة بأحكام الدين، والعلماء الأوائل كانوا ينظرون إلى أحكام الدين على أنها جزء واحد لا يتجزأ، فتجد من يتكلم في مسائل العقيدة ويدرج فيها أمور الفقه وربما الآداب والسلوك والأذكار وغير ذلك، والتوسع في التصنيف أوغل فيه المتأخرون كثيرًا خصوصًا في الزمن المتأخر, حتى جزئت كثير من مسائل الفروع إلى جزئيات دقيقة، وربما بلغ في بعض الأزمنة إلى حد ... ولهذا كان من السلف الصالح من ينكر التوسع في تجزئة مسائل الدين، ولهذا يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: العلم نقطة كبرها الجهال، يعني: توسعوا به وجزءوه أجزاء متعددة حتى ظُن أنه يجب على الإنسان أن يتعلمه بتوسعه, حتى ربما خلط الناس بين مراتب العلم فأخذوه من أدناه وتركوا أعلاه، وربما كثير من الناس يحرص على دعوة الناس بالأدنى ويترك الأعلى وهو المتأكد؛ لأن علم الشريعة أصبح يوصف بعلم الشريعة مع كثرة أجزائه وأنواعه، ولهذا نجد السلف الصالح لما اهتموا بالأصول واهتموا أيضًا بالفرعيات وغرسها في نفوس الناس وجدوا الناس يذعنون للجزئيات، ولما اهتم المتأخرون بالجزئيات وجدوهم لا يهتمون بالأصليات، وهذا أمر مشاهد في كثير من بلدان المسلمين.
المصنف رحمه الله في رسالته هذه جعل لها مقدمة وهي التي بين أيدينا، وسنقرؤها ونعلق على ما تيسر من مسائل العقيدة وشيء مما يتصل بها بما أمكن بإذن الله عز وجل.
هي: رسالة مختصرة جليلة، حرية بالحفظ والفهم, وحرية أيضًا بالتعليق والتهميش, والتدليل أيضًا على مسائلها من الكتاب والسنة وأقوال السالفين من الصحابة والتابعين، وهذه العقيدة أيضًا حرية بأن يعتني طلاب العلم بحفظها, ونشرها على سبيل الانفراد في أوساط طلاب العلم، وهي من أدق ما كتبه المالكيون في أبواب العقائد.
... الابتداء بالحمدلة
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني رحمه الله: [الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصوره في الأرحام بحكمته] .