فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 60

وذلك أن الأئمة الأوائل عليهم رحمة الله الذين كانوا يصنفون في الأحكام كانوا يجمعون مسائل العقائد مع مسائل الفقه، وهذه طريقة الذين صنفوا في جمع السنة كالذين صنفوا في الكتب الستة وغيرها؛ كالبخاري و مسلم وأصحاب السنن الأربع وغيرهم، يضعون كتبًا للإيمان, وللتوحيد, وللوحي, ويُضمِّنون ذلك أمورًا من الفقه، وذلك أن الفقه والأحكام في اصطلاح الصدر الأول كانوا يريدون به عموم مسائل الدين، ولهذا صنف الإشبيلي رحمه الله كتابه الأحكام، وجمع فيه أحكام الدين ما يتعلق بأمور العقائد وكذلك ما يتعلق بأحكام الفقه، وكان العلماء عليهم رحمة الله يطلقون الفقه على جميع علوم الشريعة، ما يتعلق منها بأصول الدين وكذلك ما يتعلق بفروعه، ولهذا كتاب الفقه الأكبر المراد به أمور العقائد، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال كما جاء في الصحيح: (من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين) ، فإن المراد بذلك سائر أنواع الفقه مما يتعلق بمسائل التوحيد ومسائل الأحكام من الحلال والحرام, وكذلك أيضًا أمور الآداب، وما زال العلماء على ذلك حتى توسع العلماء في تصنيف علوم الدين إلى أنواع؛ فجاءت مسائل العقائد والتوحيد، ومسائل الحلال والحرام, والتي أفردت بالفقه, ومسائل الآداب والسلوك، ومسائل الأذكار، عمل اليوم والليلة، جاء هذا التفصيل وإفراد مسائل الدين على سبيل التجزئة, وهو نوع من تقريب العلوم لا تفريق أوصاله، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعلم أن مسائل الدين وأحكام الشريعة مترابطة فيما بينها وتتلازم من جهة تداخلها، فيجد في مسائل الأذكار تعلقًا بمسائل التوحيد، ويجد أيضًا في أمور العبادات تعلقًا بمسائل العقائد, ومن العقائد ما يدخله العلماء في مسائل الفقه, وكذلك العكس، وربما أدخل بعض العلماء بعض فرعيات الدين في مسائل العقائد؛ لأنها هي الفاصل والفارق بينهم وبين أهل البدع، مثل: المسح على الخفين في مسائل العقائد لأنها فارق بين أهل السنة والرافضة, وغير ذلك من المسائل الفرعية التي يدرجها العلماء من جهة الأصل في أبواب الفقه.

... ضابط الأصول والفروع ومراعاتها في التصنيف

وهذا التقسيم هو تقسيم حسن إذا عُلمت الغاية منه، وأنه ليس المراد من ذلك التهوين من باب دون باب وتقديم باب من جميع الوجوه على باب آخر، وإلا فيوجد من مسائل العقائد ما هي فرعيات وجزئيات, ويوجد من الفروع ما هي أصول كليات؛ كمثل أركان الإسلام؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ولهذا نجد التأكيد على الصلاة في الشريعة متظافر؛ وذلك لأهميتها وجلالة قدرها، بل جاء في النصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصف تاركها بالكفر، كما جاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله: (بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة) ، وكذلك أيضًا ما جاء في حديث بريدة في المسند والسنن: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر) ، وغير ذلك من التأكيدات، وهذه تدرج عند العلماء في أبواب الفروع, ونجد أيضًا في أبواب مسائل العقائد من المسائل الجزئية اليسيرة من دقائق الأسماء والصفات ما لم يؤكد عليها الشارع، وتجد كثيرًا من العلماء لا ينبهون عليها, باعتبار أن الشارع ما أكد عليها وأكثر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت