قالوا: فالمراد بثم ترتيب الذكر لا ترتيب الفعل.
قال المصنف رحمه الله: [وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا] .
قوله: (وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه) ، أي: أن الله سبحانه وتعالى أراد بالإنسان خيرًا، وأنه ما أوجده ليشق عليه, وإنما أراد به اليسرى, وهداه ويسر له السبيل, وكما جعل الله عز وجل للإنسان قدمين يمشي بهما هداه الله جل وعلا إلى النجدين, وجعل الله عز وجل له عينين, وجعل له لسانًا وشفتين, يهتدي بها ويميز طريق الخير من طريق الشر, فيعرف الحق من غيره, فإذا وقع في ضر فبما كسبت يمينه وبما فرط في أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: إن ما يقع للإنسان من ألم أو ضر أو بلاء فهو بما كسبت يمينه في مخالفة أمر الله جل وعلا, فالله عز وجل جعل للإنسان أمرين يهتدي بهما: أولهما: نور الوحي وهداه، وثانيهما: العقل, فبالعقل يعرف الأصل من الخير في الدنيا, وبالوحي يعرف الخيرين وأظهرهما أن يتعرف الإنسان على ربه جل وعلا كما يريد الله سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: إن العقل مع الوحي كحال البصر مع النور، فالوحي نور والبصر يدرك به الإنسان ويرى، فإذا كان الإنسان في ظلام دامس فإنه لا تنفعه عينه، وإذا كان الإنسان في نور وهو أعمى فإنه لا ينتفع بذلك النور؛ كحال الإنسان إذا سُلب العقل فهو مجنون لا ينتفع بخطاب الوحي، فلا بد من أن يتخذ الإنسان سبيلًا يوصله إلى الله وينير له الطريق، فإذا أراد أن يسير إلى الله كما أراد الله فلا بد له من الوحي وإلا فهو يتخبط في ظلمات الجهل، وكلما كان الإنسان أبصر بالشريعة كان أقرب وأهدى إلى الله وإلى ما يريد الله سبحانه وتعالى، كالإنسان إذا كان في الظهيرة فإنه يكون أبصر لطريقه, وإذا كان النور في ذلك يسيرًا؛ كحال الإنسان بعد مغيب الشمس أو قبل طلوعها فإنه لا يرى ببصره كما يرى في الظهيرة، فينبغي للإنسان أن يستكثر من نور الوحي وأن يهتدي بهديه حتى يقوى له النور فيرى الحق متجليًا فلا تنطلي عليه الشبهات، والله سبحانه وتعالى أراد بعباده اليسر والرفق، ولهذا يقول الله جل وعلا واصفًا شريعته وإرادته الشرعية لأمته: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عباس , وكذلك أيضًا في حديث أنس بن مالك (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل و أبي موسى: يَسِّرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا) ، والنبي صلى الله عليه وسلم حتى في أمر الدنيا كان يتوجه إلى اختيار الخير الأيسر ولا يتجاوزه إلا إذا كان إثمًا, ولهذا تقول عائشة عليها رضوان الله تعالى: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا, فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه) , نعم.