نفي العلم، هذا من جهة النظر، ولكن هناك من ينفي القدر ولا ينفي العلم، وهذا ضرب من ضروب التضاد، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يعلم كل شيء مما مضى ومما يأتي ومما هو حال في هذا الوقت، والله سبحانه وتعالى يعلم وهو الذي قدر، والعلم يتفرع عنه التقدير، والتقدير لازم للعلم؛ لأنه لا يقدر الشيء إلا من علمه، وهذا لكمال الله سبحانه وتعالى.
إن الذي حمل طوائف البدع في مسائل القدر على الانحراف أنه حملهم ذلك شيء مما وقع في نفوسهم من طلب تنزيه الله جل وعلا، فكانت الطوائف في ذلك طرفين ووسط، غلاة فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى جبر الخلق، وهم مجبورون على أفعالهم وليس لهم اختيار في أفعالهم، وأرادوا من ذلك قالوا: كيف يكون للإنسان مشيئة ويخرجون عن مراد الله سبحانه وتعالى؟ أرادوا تنزيهًا فوقعوا في أمثال هذا الضلال، وقع في هذا الغلاة من الجهمية الذين يقولون: إنه لا يكون في الكون إلا ما يريده الله عز وجل شرعًا وقدرًا، أما الوقوع القدري فهذا لا خلاف في ذلك، أما الشرعي وهو ما يريده الله عز وجل فقد يكون في الكون ما لا يريده الله جل وعلا شرعًا، الله عز وجل أراد للناس الصلاة والصيام، لكن ألا يقع في الكون ما لا يريده الله عز وجل من ترك الصلاة؟ نعم، لكن هل هذا منافاة للإرادة الكونية أو للإرادة الشرعية؟ للإرادة الشرعية؛ لأن الله عز وجل لو أرادهم أن يفعلوا لجعلهم يفعلوا، ولكن جعل لهم اختيارًا عليه يعذبون.
... المخلوقات بين التخيير والتسيير
بناء على ما سبق نقول: إن المخلوقات لله عز وجل على نوعين:
النوع الأول: مخلوقات مسخرة مسيرة لا اختيار لها؛ وهذا كالكواكب والنجوم والأفلاك وغيرها, لا تخرج عن إرادة الله عز وجل الكونية، ولا تخاطب بإرادة شرعية.
النوع الثاني: ما له اختيار؛ كالإنس والجن، وكالملائكة، والملائكة لهم اختيار؛ لأن الله عز وجل مدحهم ولا يمدح إلا من له اختيار بالموافقة أو المخالفة؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وذلك لشدة الطاعة، إلا أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل من الابتلاء المعترض لهم كما جعله لبني آدم، وذلك من أمور النفس والشيطان وغير ذلك التي تحرف الناس، ولهذا الله سبحانه وتعالى مدحهم على ذلك ولا يمدح إلا من له اختيار فوافق، ولهذا نقول: إن الإنس والجن والملائكة لهم اختيار، فوقع في الإنس والجن عصيان، ومخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى, وهؤلاء لهم مشيئة ويخاطبون بالإرادة وبالأمر الشرعي؛ لأن الإرادة والأمر على نوعين: إرادة وأمر كوني، والثاني إرادة وأمر شرعي، الأول كوني لا يخرج عنه،