الدليل، ومن قال: إن كلام الله مخلوق فقد كفر، ولو قال: إن حرفًا من كلام الله عز وجل مخلوق، وما يشكل عند بعض المبتدعة الذي دعاهم لأمثال هذه المعاني، الذين يقولون: إن كلام الله سبحانه وتعالى يوجد ويحفظ في الصدور، وتتلفظ به الألسن، ويكتب في الصحف والألواح، فهذا كلام الله جل وعلا فكيف يصل إلى مثل هذه الحال؟ نقول: إن كلام الله عز وجل يحفظ في الصدور، وقد ذكره الله جل وعلا في كتابه العظيم، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ، فهو في صدورهم وهو كلام الله سبحانه وتعالى ولا يزاد عن ذلك، وما يتكلم به الإنسان كلام الله جل وعلا، ولكن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ، فتحريك الشفتين مخلوق، ولعاب الإنسان وهواؤه مخلوق، ولكن القول الذي يتلفظ به هو كلام الله والصوت للإنسان، كذلك بالنسبة لما يدون في الألواح والصحف، فما فيه من أحبار وأوراق هذه مخلوقة، والكلام كلام الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: إن الزيادة عن ذلك إحداث وابتداع وضلال في الدين، وإنما دخل الناس في أمثال هذه التفصيلات في مسائل كلام الله جل وعلا لما توسع المبتدعة في تحليل أمثال هذه المسائل، وكان السلف الصالح عليهم رضوان الله من الصحابة في سلامة من ذلك؛ لأنهم كانوا يمرون ما جاء من النصوص من غير أن يصرفوها على غير ما أراده الله جل وعلا، فلما تكلف الناس التأويل وتوليد المسائل وغير ذلك أدخلوا أهل العلم في أمثال هذه التفاصيل؛ لينفوا عن الدين الشبهات، ويزيلوا ما ربما يصد به عن الحق، ولهذا كان السلف الصالح في ابتداء الأمر ينهون عن الخوض في مثل هذا حتى تكلم به الضلال، ولهذا بعض الأئمة يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن لفظي بالقرآن ليس بمخلوق فهو مبتدع؛ لماذا؟ لأن هذا شيء جديد، لماذا تدخل في أمثال هذه التفاصيل، لماذا تخوض في أمثال هذه التفاصيل وأنت في عافية منها؟ لكن لما ولدوها وقرروها قام العلماء عليهم رحمة الله تعالى بتقريرها وتفصيلها وإزالة الشبهات منها، وهي الفتنة العظيمة التي وقعت للإمام أحمد عليه رحمة الله حينما ظهرت, وقويت شوكة الجهمية حينما قالوا: إن كلام الله عز وجل مخلوق، وحدث في ذلك من المناظرات والفتنة والابتلاء لجماعة من أئمة السنة على رأسهم الإمام أحمد عليه رحمة الله، ولهذا نقول: إن كلام الله عز وجل موصوف بأنه الكلام, وكذلك قول الله جل وعلا كما في قوله سبحانه وتعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى [آل عمران:55] ، وَقَالَ اللَّهُ [المائدة:12] ، فالله عز وجل يقول ويتكلم، وكذلك أيضًا ينبئ عباده.
وهنا في قوله: وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد؛ لأنه لا يبيد إلا المخلوق، وصفات الله سبحانه وتعالى هي ذاته جل وعلا، وإذا قلنا بأن صفة من صفات الله عز وجل تبيد، فهذا يرجع إلى الموصوف كذلك، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. نعم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن القرآن كلام الله ليس بخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد] .