[[قوله تعالى لموسى عليه السلام: {لا تخف إنك أنت الأعلى} ، فإنه أبلغ في نفي الخوف عنه، وإثبات الاستعلاء عليهم من ستة أوجه:
أحدها: أنه استأنف إخباره بالعلو، ولم يجعله علة لانتفاء الخوف، فيقل: لأنك أنت الأعلى، بل نفى عنه الخوف، وأثبت له الاستعلاء مطلقًا، وهذا يشبه ما ذكره اللغويون من أن قول المليي: (إن الحمد والنعمة لك) ، إن كسر همزة إن أولى، لأنه أعم لكونه مستأنفًا.
الثاني: إثباته بيان المؤكدة، ولم يجعل الكلام مبتدأ وخبرًا.
الثالث: التوكيد المذكور، ولم يقتصر على أحد الضميرين، فيقل: (إنك الأعلى) ، أو (فأنت الأعلى) .
الرابع: تعريف (الأعلى) ليفيد استغراقه رتبة العلو، ولم ينكره، إذ لو نكره لم يفد اختصاصه بالعلو.
الخامس: مجيئه على أفعل التفضيل، ولم يقل: (العالي) .
السادس: إثبات العلية له بلفظ العلو؛ لأنه أخص من لفظ العلية.
فإن قلت: لو كان هذا التوكيد أبلغ، لورد عند ذكر الله نفسه في كتابه، إذ هو أحق بالمبالغة، لكنه لم يرد، حيث قال تعالى: {بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} ، ولم يقل: (إنك أنت) ، فلا يكون هذا التوكيد أبلغ.
قلت: فائدة استعمال هذا التوكيد تقرير ما كان خفيًا، وإثباته في النفس كتقديم السحرة في الإلقاء، واختصاص موسى بالاستعلاء، وقدرة الله تعالى ثابتة مستقرة في نفوس المخاطبين بهذا الكلام، فلا ضرورة إلى تأكيدها.
فإن قلت: هذا ينتقض بقوله: {ولا أعلم ما في نفسك * إنك أنت علام الغيوب} [المائدة] ، وإن كان عليه ثابتًا لا يحتاج إلى تقرير، فهلا كان الموضعان شرعًا واحدًا، إما في نفي التأكيد أو في إثباته.
قلت: الجواب من وجهين:
الوجه الأول: ذكره ابن الأثير، وهو: أن ما كان مستقر الثبوت كقدرة الله وعلمه ونحوهما، إن أكد فزيادة مبالغة، وإن لم يؤكد، فلاستغنائه بنفسه عن التوكيد، وذلك لا يوجب نقض ما قلناه.
قلت: وهذا قريب، ومثاله من جهة الحس: أن تبسط حصيرًا والريح ساكنة، تعلم قطعًا أنها لا تقوى على إزالته، فإما أن تنقله [[بأخرة] ] ونحوه احتياطًا، وإما أن لا تنقله معه لما علمناه.
الوجه الثاني: وهو المختار، أن قوله تعالى: {إنك على كل شيء قدير} [آل عمران] ثناء منه على نفسه، وقوله: {إنك أنت علام الغيوب} ، حكاية لثناء عيسى عليه السلام، وفرق بين ثناء العبد على سيده، وثناء السيد على نفسه، إذ قد تنزل فيه المبالغة لتمام تصرفه في نفسه من تلك الجهة، والعبد ينبغي له المبالغة في ذلك، وأقل مراتبه أن يكون حسن أدب، ألا ترى أن الإنسان قد يثني على نفسه فيقول: (لعمري لست بجبان ولا بخيل) ، ولو أثنى عليه عبده أو غيره بذلك، لكان من حسن الأدب المبالغة فيه، فيقول: (إنك لأسد ثائر عند اللقاء، بحر زاخر عند العطاء) ، ولهذا لما ضايق الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه العطاء، حتى خطفت شجرة ردائه، قال: (( ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو أن لي مثل هذه العضاة نعمًا، لقسمتها فيكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ) )، ولما وصفه بعض الصحابة رضي الله عنهم بذلك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.
وقال علي رضي الله عنه: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكون أقربنا إلى العدو، وهذا أبلغ من بيانه بذلك على نفسه، فكذلك الله تعالى، لما أثنى على نفسه بالقدرة، لم يؤكد.
وعيسى صلى الله عليه وسلم لما أثنى عليه بالعلم أكد استعمالًا لأدب العبودية بين يدي عزة الربوبية، وهذا أحسن من جواب ابن الأثير، لكن جوابه أشمل وأعم.
ويمكن الجواب بالفرق بين القدرة والعلم، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن القدرة أخص، إذ كل مقدور معلوم، وليس كل معلوم مقدورًا، إذ المستحيل معلوم، ولا يوصف بالمقدور به، ولا يدخل تحت القدرة، فاستغنت بقوة الأخصية عن التأكيد، بخلاف العلم.
الثاني: أن العلم أخفى من القدرة، إذ العلم صفة للنفس، والقدرة صفة لمجموع الذات، ولهذا كثر الخلاف في العلم، على ما عرف في الكلام، ولم يقع الخلاف في القدرة إلا بيننا وبين القائلين بأن الصانع مؤثر بالطبع والإيجاب، لا بالقدرة والاختيار.
فإن قلت: فهذا يقتضي عكس ما ذكرت، لأن الخلاف في العلم إنما هو في كيفيته مع الاتفاق على وجود حقيقته، والخلاف في القدرة في وجود حقيقتها، وما اتفق على وجوده أظهر مما اختلف فيه، فدل على أن العلم أظهر.
قلت: الخلاف في القدرة ليس من جهة الظهور والخفاء، بل من جهة أن ثبوتها للصانع يستلزم عند هؤلاء محالًا، وحينئذ لا يقتضي ما ذكرت.