فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 182

{وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ(93)}

قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام أنه قال: {ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون} كأنه قال: اعملوا إني عامل، قالوا له: وما يكون إذا كنت عاملًا؟، قال لهم: سوف تعلمون ما يكون، وقد جاء في القرآن: {فسوف تعلمون} ، بالفاء، وهو وصل ظاهر، والأولى وصل خفي باستئناف ظاهر، وهو أبلغ الوصلين، لتضمنه من جهتين.

قال ابن الأثير: وأما الوصل في هذه الآية ونظائرها، تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف تفننًا في البلاغة على عادة العرب في تفننها.

قلت: ويمكن أن يقال: إن شعيبًا عليه السلام، لما كثرت مراجعة قومه له على ما حكي عنه في سورة هود، ناسب اختصاص قصته الاستئناف الذي هو أبلغ من الإنذار والوعيد، لكن يرد على هذا أن قريشًا كانت أشد مجادلة لمحمد صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم لأنبيائها، ولما قال لهم هذا الكلام، قاله بالفاء، ويمكن الجواب عنه بوجوه:

أحدها: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، كانت مدة إنذاره لقومه قصيرة، فعقب عملهم على مكانتهم بوعيدهم بالفاء، إشارة إلى قرب نزول الوعيد بهم، وشعيب صلى الله عليه وسلم طالت مدته في قومه، فاستأنف لهم ذكر الوعيد، كأنه قال: سننزل بكم الوعيد، وإن طالت بكم المدة في مخالفتي وجدالي.

الثاني: أن شعيبًا عليه السلام قال ذلك من عنده؛ لأن الله تعالى قال عنه: {يا قوم اعملوا على مكانتكم} ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يقول لهم ذلك؛ لأنه قال: (قل يا قوم اعملوا) ، وتخصيصات الله تعالى لا تستلزم التعليل، فلعله عليه السلام لو قال ذلك من عنده، كما قاله شعيب كذلك، لقال كما قال.

الثالث: لعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم، فأجابهم بهذا الجواب، والفاء لا يحسن فيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جوابًا لقومه عن سؤال، بل هو كلام مبتدأ مرتبط بعضه ببعض، ولا يحسن بدون الفاء، والشاهد قواعد العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت