الفرق بينه وبين قوله تعالى حاكيا عن عيسى - عليه السلام: {إنك أنت علام الغيوب}
قوله تعالى: {إنك على كل شيء قدير} ثناء منه على نفسه، وقوله: {إنك أنت علام الغيوب} ، حكاية لثناء عيسى عليه السلام، وفرق بين ثناء العبد على سيده، وثناء السيد على نفسه، إذ قد تنزل فيه المبالغة لتمام تصرفه في نفسه من تلك الجهة، والعبد ينبغي له المبالغة في ذلك، وأقل مراتبه أن يكون حسن أدب، ألا ترى أن الإنسان قد يثني على نفسه فيقول: (لعمري لست بجبان ولا بخيل) ، ولو أثنى عليه عبده أو غيره بذلك، لكان من حسن الأدب المبالغة فيه، فيقول: (إنك لأسد ثائر عند اللقاء، بحر زاخر عند العطاء) ، ولهذا لما ضايق الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه العطاء، حتى خطفت شجرة ردائه، قال: (( ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو أن لي مثل هذه العضاة نعمًا، لقسمتها فيكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ) )، ولما وصفه بعض الصحابة رضي الله عنهم بذلك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.
وقال علي رضي الله عنه: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكون أقربنا إلى العدو، وهذا أبلغ من بيانه بذلك على نفسه، فكذلك الله تعالى، لما أثنى على نفسه بالقدرة، لم يؤكد.
وعيسى صلى الله عليه وسلم لما أثنى عليه بالعلم أكد استعمالًا لأدب العبودية بين يدي عزة الربوبية، وهذا أحسن من جواب ابن الأثير، لكن جوابه أشمل وأعم.
ويمكن الجواب بالفرق بين القدرة والعلم، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن القدرة أخص، إذ كل مقدور معلوم، وليس كل معلوم مقدورًا، إذ المستحيل معلوم، ولا يوصف بالمقدور به، ولا يدخل تحت القدرة، فاستغنت بقوة الأخصية عن التأكيد، بخلاف العلم.
الثاني: أن العلم أخفى من القدرة، إذ العلم صفة للنفس، والقدرة صفة لمجموع الذات، ولهذا كثر الخلاف في العلم، على ما عرف في الكلام، ولم يقع الخلاف في القدرة إلا بيننا وبين القائلين بأن الصانع مؤثر بالطبع والإيجاب، لا بالقدرة والاختيار.
فإن قلت: فهذا يقتضي عكس ما ذكرت، لأن الخلاف في العلم إنما هو في كيفيته مع الاتفاق على وجود حقيقته، والخلاف في القدرة في وجود حقيقتها، وما اتفق على وجوده أظهر مما اختلف فيه، فدل على أن العلم أظهر.
قلت: الخلاف في القدرة ليس من جهة الظهور والخفاء، بل من جهة أن ثبوتها للصانع يستلزم عند هؤلاء محالًا، وحينئذ لا يقتضي ما ذكرت.