فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 182

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)}

الصنف الأول: في الالتفات، وهو الرجوع عن أسلوب من أساليب الكلام إلى غيره، ومن فوائده: تطرية سمع السامع وإيقاظه للإصغاء، فإن اختلاف الأساليب أجدر بذلك من الأسلوب الواحد.

وهو ثلاثة أضرب:

الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وعكسه. ومن أمثلته قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3) } هذا أسلوب غيبة ثم التفت عنه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلى أسلوب خطاب، إلى قوله: {أَنْعَمْتَ} ثم التفت إلى الغيبة بقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ولم يقل: الذين غضبت، كما قال: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأن ذكر النعمة موضوع التقرب إلى الرب بذكر نعمه، فكان إسناده إليه بتاء المخاطب أبلغ في ذلك، بخلاف ذكر الغضب.

ونظيره قول إبراهيم عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} فأضاف هذه النعم إلى ربه تعالى، ثم قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ} [الشعراء] فأضافه إلى نفسه لفظًا، تأدبا، إذ الأدب يقتضي أنك لا تضيف إلى المنعم عليك حال ذكر نعمه إلا النعم، لا المكروهات، فلا تقول الملك في سياق ذلك"أنت الذي أعطيتني، ورفعت قدري، وحبستني أو ضربتني، لأن الأول يقتضي شكره، والثاني يقتضي ذمه، والشكاية والتضجر منه"وهما متناقضان وقد استعمل الله تعالى هذا الأدب مع خلقه في حديث (( إني حرّمت الظلم على نفسي، يا عبادي ... لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسكم وجِنّكم جاءوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي ) )، ولا ذكر ضد ذلك، قال: (( جاءوا على أفجر قلب رجل واحد ) )، ولم يقل"منكم"كل ذلك من محاسن الآداب والتلطف.

وأما فائدة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مع ما قبله من خطاب الغيبة، فمن وجهين:

أحدهما. أنهم لما وصفوا الله تعالى بخصائص الربوبية، وصفات الألهية بأسلوب الغيبة؛ ليكون أدل على صدقهم وإخلاصهم في ذلك، مما إذا خاطبوه به؛ إذ المخاطِب بالمدح قد يراقَب فيداجي، ويخالف لسانه قلبه، بخلاف المادح في الغيبة حيث عدلوا حال الإخبار والسؤال إلى الخطاب؛ لأنه أدل على الخضوع، والضراعة، وشدة الرغبة، ومسيس الحاجة، كما تقول لملك أنعم عليك"أنا شاكر للملك المعظم الجواد، مالك الرعايا والملوك، بك أيها الملك المتصف بهذه الصفات، أستعين على أمري، وإليك ألجأ من جميع محاذيري".

الثاني: أن أسلوب الخطاب أخص من أسلوب الغيبة، والعبادة أخص من الحمد والثناء، إذ الإنسان يحمد نظيره ولا يعبده، فاستعمل الأسلوب الأخص في ذكر الفعل الأخص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت