فإن لفظ المقعد والمقعدة مشترك بين ما يلاقي الأرض من الإنسان إذا قعد، وبين موضع القعود، كالمضرب والمقتل، لكن ذكر القتال في الآية بيّن أن المراد: الموضع، لا ما يلاقيه. وقرينة أخرى، وهي: تبوئ؛ إذ معناها تنزل في قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت] أي: بنوا لهم، وذلك مختص بالمكان وكذا قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر] فالصدق بين المراد. ومثال الثاني قول الشريف الرضي:
أعززْ عليّ بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيْك مقاعدُ العُوّاد
فإن"خلا"إضافتها إلى العواد، قرينة، لكنها ضعيفة من جهة أن المقاعد أضيفت إلى من يصح استعمالها فيه بالمعنى المستقبح، بخلاف الآية المذكورة، فإنها مضافة إلى ما لا يصح استعماله فيه بذلك المعنى: وهو القتال، ولو قال الشريف الرضي: مجالس، أو مواطن، عوض مقاعد، لخلص من هذه المعرة. ولو لم يذكر القرينة في شعره، لكان أمره أخف وأسهل.