ومن يرد الاستزادة من الفقه الإسلامي في هذه القضية - التي يجهلها الكثيرون - فعليه أن يرجع إلى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية [661 - 728 ه - /1263 - 1328 م] وتلميذه العظيم ابن قيم الجوزية [691 - 751 ه - /1262 - 1350 م] في كتابه [الطرق الحكمية في السياسة الشرعية] .. ففيه - وفق نص ابن تيمية - أن ماجاء عن شهادة المرأة في آية سورة البقرة، ليس حصرًا لطرق الشهادة وطرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر لنوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه .. فالآية نصيحة لهم وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين.
ولقد قال الإمام أحمد بن حنبل [164 - 241 ه - /780 - 855 م] إن شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين فيما هو أكثر خبرة فيه، وأن شهادة المرأة تعدل شهادة رجلين فيما هي أكثر خبرة فيه من الرجل .. فالباب مفتوح أمام الخبرة التي هي معيار درجة الشهادة، فإذا تخلفت خبرة الرجل في الميدان تراجع مستوى شهادته فيه .. وإذا تقدمت وزادت خبرة المرأة في الميدان ارتفع مستوى شهادتها فيه .. وليس هناك في الفقه الإسلامي تعميم وإطلاق في هذا الموضوع، إذ الشهادة سبيل للبينة التي يحكم الحاكم - القاضى - بناء عليها، بصرف النظر عن جنس الشهود وعددهم.
ولو فقه الداعون إلى تاريخية وتاريخانية آيات الأحكام في القرآن حقيقة هذه الأحكام التي توهموا الحاجة إلى تجاوزها - فقالوا بتاريخية ووقتية معاني نصوصها القرآنية - لأدركوا أن وقوف النص القرآني عند كليات وفلسفات وقواعد ونظريات التشريع، مع ترك تفصيلات التشريع لاجتهادات الفقهاء، هو الذي جعل أحكام القرآن الكريم في المعاملات - فضلًا عن العبادات .. والقيم والأخلاق - صالحة لكل زمان ومكان، فكانت شريعته آخر وخاتم الشرائع السماوية، دونما حاجة إلى هذه"التاريخية"التي استعاروها من الفكر الغربي، دونما إدراك لخصوصية النص الإسلامي، وتميز مسيرة الفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية .. ولو أنهم فقهوا حقيقة الأمثلة التي توهموها دواعى لهذه التاريخية - من مثل ميراث المرأة .. وشهادتها - لكفونا مئونة هذا الجهد في كشف هذه الشبهات! ..