فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 324

وثاني هذه النقاط: أن التاريخية والتاريخانية - أي وقتية الأحكام - لا يقول بها أحد في أحكام العبادات .. وإنما يقول بها أصحابها في آيات وأحكام المعاملات. وهم يخطئون إذا ظنوا أن هناك حاجة إليها في أحكام المعاملات التي جاء بها القرآن الكريم ذلك أن القرآن الكريم - في المعاملات - قد وقف عند"فلسفة"و"كليات"و"قواعد"و"نظريات"التشريع، أكثر مما فصّل في تشريع المعاملات .. فهو قد فصل في الأمور الثوابت، التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، مثل منظومة القيم والأخلاق، والقواعد الشرعية التي تستنبط منها الأحكام التفصيلية، والحدود المتعلقة بالحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة .. ونزل تفصيل أحكام المعاملات لعلم الفقه، الذي هو اجتهاد محكوم بثوابت الشريعة الإلهية، ذلك حتى يظل هذا الفقه - فقه المعاملات - متطورًا دائمًا وأبدًا، عبر الزمان والمكان، ليواكب تغير الواقع ومستجدات الأحداث، في إطار كليات الشريعة وقواعدها ومبادئها، التي تحفظ على أحكامه المتطورة إسلاميتها، دائمًا وأبدًا ..

وهذه"الصيغة الإسلامية"الفريدة التي جاءت بالنص الإلهي الثابت - أي الشريعة التي هي وضع إلهي ثابت - تحفظ إسلامية وإلهية المرجعية والمصدر دائمًا وأبدًا .. بينما وكلت أمر المتغيرات إلى الفقه المتجدد والمتطور - والفقه هو علم الفروع - .. هذه"الصيغة الإسلامية"هي التي وازنت بين ثبات النص وتطور التفسير البشرى للنص الإلهي الثابت .. وجمعت بين ثبات"الوضع الإلهي"وتطور"الاجتهاد الفقهى".. أي جمعت بين ثبات المرجعية والنص، وبين تطور الاجتهاد الفقهى المواكب لمتغيرات الواقع عبر الزمان والمكان ..

ثالث هذه النقاط: تتعلق بالأمثلة التي سيقت وتساق من قبل دعاة تاريخية وتاريخانية النصوص الدينية، للتدليل على ضرورة تطبيق هذه التاريخانية - في زعمهم - على أحكام القرآن الكريم في المعاملات ..

ونحن عندما ننظر في هذه الأمثلة - وهي هنا:"ميراث المرأة وشهادتها"نزداد يقينًا بخطأ دعوى تطبيق هذه التاريخانية على القرآن الكريم، وعلى الأحكام التشريعية الواردة فيه .. فليس صحيحًا أن توريث المرأة في الإسلام قد جانب الإنصاف لها، حتى يكون حكمه صالحًا للزمان الماضى دون الزمان المعاصر والمستقبل .. فالأنثى - في الإسلام - لا ترث نصف الذكر دائمًا وأبدًا .. والقرآن لم يقل يوصيكم الله في الوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين.

وإنما جعل ذلك في حالة بعينها هي حالة"الأولاد"، وليس في مطلق وكل الوارثين: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) . أما عندما كان التقعيد عامًا للميراث فإن القرآن قد استخدم لفظًا عامًا هو لفظ"النصيب"لكل الذكور والإناث على حد سواء: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا) .

ومعايير التفاوت في أنصبة الميراث لا علاقة لها بالجنس - ذكورة أو أنوثة - على الإطلاق - على غير ما يحسب ويظن الكثيرون - إن لم يكن الأكثرون! وإنما معايير هذا التفاوت ثلاثة:

1 -درجة القرابة. فكلما كان الوارث أقرب إلى المورّث زاد نصيبه في الميراث.

2 -وموقع الجيل الوارث في تسلسل الأجيال وتلك حكمة إلهية بالغة في فلسفة الإسلام للميراث - وكلما كان الوارث صغيرًا من جيل يستقبل الحياة وأعباءها، وأمامه المسئوليات المتنامية، كان نصيبه من الميراث أكبر .. فابن المتوفى يرث أكثر من أب المتوفى - وكلاهما ذكر - وبنت المتوفى ترث أكثر من أمه - وكلتاهما أنثى .. بل إن بنت المتوفى ترث أكثر من أبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت