تطالعنا التوراة، أن الله قد أمر موسى - عليه السلام - أن يشن حربًا على أقوام قد عبدوا غير الله - سبحانه وتعالى:"وكلم الرب موسى في عربات مو آب على أردن أريحا قائلا:"كلم بنى إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم"."
(14) وشبيه به ما ورد في سفر صموئيل الإصحاح السابع عشر آية 45: 47
"فقال داود للفلسطينى: أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتى إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم 000 فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل".
(15) وفي سفر صموئيل الأول الإصحاح الثالث والعشرون:
"فذهب داود ورجاله إلى قعيلة وحارب الفلسطينيين وساق مواشيهم وضربهم ضربة عظيمة وخلص داود سكان قعيلة".
(16) في سفر المزامير المزمور الثامن عشر:
يسبح داود الرب ويمجده لأنه يعطيه القوة على محاربة أعدائه:"الذي يعلم يدي القتال فتحنى بذراعى قوس من نحاس .. أتبع أعدائى فأدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجلى تمنطقنى بقوة للقتال تصرع تحتى القائمين على وتعطينى أقفية أعدائى ومبغضى أفنيهم".
هذه بعض من حروب بنى إسرائيل التي سجلتها نصوص كتبهم وأسفارهم، فمفهوم الحرب والقتال، ليس مفهومًا كريهًا من وجهة النظر التوراتية، وكأنها حروب مستمدة من الشريعة الدينية التوراتية، وهي كانت دائما تتم بمباركة الرب ومعونته وكأن الرب - حسب تعبير التوراة - قد استل سيفه من غمده فلا يرجع.
الحرب في العهد الجديد:
كذلك نرى الإنجيل لم يهمل الكلام عن الحروب بالكلية، بل جاء نص واضح صريح، لا يحتمل التأويل ولا التحريف يقرر أن المسيحية على الرغم من وداعتها وسماحتها التي تمثلت في النص الشهير"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"- إلا أنها تشير إلى أن السيد المسيح - عليه السلام - قد يحمل السيف ويخوض غمار القتال إذا دعته الظروف لذلك؛ فجاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح:
"لا تظنوا أنى جئت لأرسى سلامًا على الأرض، ما جئت لأرسى سلامًا، بل سيفًا، فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته".
ولعلنا نلاحظ التشابه الكبير بين هذه المقولة وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: [بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده] .
مما سبق يتبين لنا واضحًا وجليا أن الحرب والقتال سنة كونية سرت في الأمم جميعًا، ولم نر في تاريخ الأمم أمة خلت من حروب وقتال، ورأينا من استعراض الكتب المقدسة - التوراة والإنجيل - أنه سنة شرعية لم تخل شريعة من الشرائع السماوية السابقة على الإسلام من تقريره والقيام به كما مر.
لقد كان هذا القدر كافيا في إثبات أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سائر على سنن من سبقه من الأنبياء، وأن الجهاد لتقرير الحق والعدل مما يمدح به الإسلام؛ لا مما به يشان، وأن ما هو جواب لهم في تبرير هذه الحروب وسفك الدماء كان جوابًا لنا في مشروعية ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من القتال والجهاد.
ولنشرع الآن في تتميم بقية جوانب البحث مما يزيل الشبهة ويقيم الحجة ويقطع الطريق على المشككين، فنتكلم عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ممهدين لذلك بالحالة التي كانت عليها الجزيرة العربية من حروب وقتال وسفك للدماء لأتفه الأسباب وأقلها شأنًا، حتى يبدو للناظر أن القتال كان غريزة متأصلة في نفوس هؤلاء لا تحتاج إلى قوة إقناع أو استنفار.
الحرب عند العرب قبل الإسلام