فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 324

(د) النص الإنجيلى يجعل التسمبة ب"يحيى"يوحنا من اختيار زكريا بيد أن الملاك قد تنبأ بها.

وهذا خطأ رابع صححه القرآن الأمين فجعل التسمية من وحي الله إلى زكريا: ( .. اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) .

(ه) النص الإنجيلى يقول:"إن زكريا حين جاءه الملاك وقع عليه خوف واضطراب".

وقد خلا النص القرآني من هذا .. فدل خلوه منه على أنه لم يقع.

ذلك أن القرآن الحكيم عَوَّدَنَا في قَصِّهِ للوقائع المناظرة لهذه الواقعة أن يسجلها إذا حدثت ولا يهملها، بدليل أنه قد نَصَّ عليها في واقعة السحرة مع موسى عليه السلام فقال: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) . وقال في شأنه كذلك عند انقلاب العصى حية لأول مرة: (فلما رآها تهتز كأنها جَانُّ وَلَّى مُدبِرًا ولم يُعَقِّبْ) . وحكاها عن إبراهيم عليه السلام حين جاءته الملائكة تبشره فقال حكاية عن إبراهيم لضيوفه: (إنا منكم وجلون) . وحكاها عن مريم حين جاءها الملك: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) .

وحِرْصُ القرآن على ذكر هذا الانفعال (الخوف، إذا حدث) يدل على أن خلوه منه بالنسبة لزكريا دليل على أنه لم يقع منه خوف قط، وهذا"الخلو"يعتبر تصحيحًا لما ورد في الإنجيل من نسبة حدث إلى زكريا هو في الواقع لم يصدر منه.

فهذه خمسة أخطاء قام بتصحيحها القرآن الأمين نحو نصوص الإنجيل المذكورة هنا في المقارنة. وبهذا نقول:

إن القرآن أدى هنا في تعقبه للنص الإنجيلى مهمتين جليلتين:

الأولى: تصوير الواقعة المقصوصة تصويرًا أمينًا كاملًا.

الثانية: تصحيح الأخطاء الواردة في النص الإنجيلى المقارن.

وقفة أخيرة مع دعوى الاقتباس:

موضوع الدعوى كما يروج لها المبشرون أن القرآن اقتبس من الكتاب المقدس كل قَصَصِهِ التاريخي.

والواقعة التي هي موضوع دعوى الاقتباس هنا هي حادثة تاريخية دينية محددة ببشارة زكريا عليه السلام بيحيى عبد الله ورسوله ووثائق تسجيلها هما: الإنجيل، ثم القرآن الأمين.

وصلة الإنجيل بالواقعة المقصوصة أنه سجلها فرضًا بعد زمن وقوعها بقليل؛ لأن عيسى كان معاصرًا ليحيى عليهما السلام وصلة القرآن الأمين بها أنه سجلها بعد حدوثها بزمن طويل"حوالي سبعمائة سنة".

وقرب الإنجيل من وقوع الحادثة المقصوصة، وبُعد القرآن الزمني عنها يقتضى إذا سلمنا جدلًا بدعوى الاقتباس المطروحة أن يأتي الاقتباس على إحدى صورتين:

أولاهما: أن يقتبس القرآن جزءًا مما ورد من القصة الكلية في الإنجيل. وتظل القصة فيه ناقصة عما هي عليه في المصدر المقتبس منه (الإنجيل) على حسب زعمهم.

ثانيهما: أن يقتبس القرآن القصة كلها كما هي في الإنجيل بلا نقص ولا زيادة، سواء أخذها بألفاظها أو صاغها في أسلوب جديد (البلاغة العربية كما يدعون) ، بشرط أن يتقيد بالمعاني الواردة في المصدر المقتبس منه؛ لأن الفرض قائم (حتى الآن) على أن القرآن لم يكن له مصدر يستقى منه الواقعة غير الإنجيل المقتبس منه.

ومحظور على القرآن عملا بهذه القيود التي تكتنف قضية الاقتباس للوقائع التاريخية من مصدرها الأوحد أن يأتي بجديد أو يضيف إلى الواقعة ما ليس في مصدرها الأوحد.

فماذا صنع القرآن إذن؟

هل اقتبس من الإنجيل جزءًا من الواقعة؟ أم الواقعة كلها؟!

دائرًا في فلك الإنجيل دورة ناقصة أو دورة كاملة؟!

لو كان القرآن قد فعل هذا: اقتبس جزءًا من الواقعة كلها، وَ لَوْ مع صياغة جديدة لم تغير من المعنى شيئا؛ لكان لدعوى الاقتباس هذه ما يؤيدها من الواقع القرآني نفسه. ولما تردد في تصديقها أحد.

ولكننا قد رأينا القرآن لم يفعل شيئًا مما تقدم. لم يقتبس جزءًا من الواقعة ولا الواقعة كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت