وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن أفضلَ الصلاةِ عندَ الله صلاةُ المَغْرِبِ، لم يَحُطها عن مُسافِرٍ ولا مُقيم، فَتَحَ اللهُ بها صَلاةَ اللَّيْلِ، وخَتَمَ بها صلاةَ النَّهارِ، فَمَنْ صَلَّى المَغْرِبَ، وصَلى بعدَها رَكعَتَيْنِ، بَنَى اللهُ لَهُ قصراً في الجَنةِ، ومَنْ صَلَّى بعدها أَربَعَ رَكَعاتٍ، غَفَرَ اللهُ لهُ ذُنُوبَ عِشْرينَ سَنَةً، أو أَربعينَ سَنَةً".
5 -وقيل: إنها صلاةُ العشاء، ولعلَّه يستدلّ بما ورد في فضلِ صلاةِ العشاءِ، ولأنها بين صلاتينِ لا تقصَرانِ، ولأنها توسَّطتْ وِتْرينِ، وهو ضعيف.
6 -وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والربيعُ بنُ خُثَيْمِ: هي مُبْهمَةٌ كيرُ مُعَيَّنَةٍ؛ كليلةِ القدرِ، وساعةِ الجمعةِ؛ ليحفظوا الكلَّ.
ويروى عن ابن عمر أيضاً - رضي الله تعالى عنهما - ، واختاره بعضُ المتأخرين، واستدلوا بما رواه مسلمٌ عن البَراءِ بن عازِبٍ قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسطى صلاةِ العصرِ) ، فقرأناها ما شاء الله تعالى، ثم نسخها الله، فنزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] فقال رجل: هي إذاً صلاةُ العصر، فقال البراءُ: أخبرتُكَ كيف نزلَتْ، وكيف نسخَها اللهُ.
قالوا: ووجه الدلالةِ أن الله سبحانه نسخَ التعيينَ إلى الإبهام، والجوابُ عن قراءة حفصةَ أنها جاءَتْ تفسيراً لا قرآناً، والقرانُ لا يَثْبُتُ بخبر الواحد، وسيأتي مزيدُ الكلامِ على مثلِ هذا في سورة النساء، وبأنها
يروى عنها مضطرباً، فروي: (وصلاة العصر) ، كما روي عن عائشة، ويروى بغير واو.
والراجح عندي أنها صلاة العصر؛ لما قدمناه من بيان النبيِّ ونصِّه على أنها صلاة العصر، ولما رواه البَراءُ من أنها كانت معينةً في كتاب الله سبحانه، ثم نُسِخَ تعيينُها، وإخبارُ الصحابي بمثلِ هذا النسخِ مقبولٌ.
وما ذكروه من وَجْهِ الدَّلالَةِ باطلٌ؛ فإن هذا مِمَّا نُسخ لفظُه، وبقيَ حكمُه، ألم تر إلى قولِ القائلِ للبراءِ: فهي إذاً صلاةُ العصر، كيف فهم أن التعيينَ باقٍ لم يَزُلْ، وكيف لم يردَّ عليه البراءُ مقالته، وإنما قال: أخبرتُك كيف نزلَتْ، وكيف نسخها الله.