وعن مالك أنَّه بلغه أن ابن المسيِّبِ كان يقول: قال عمرُ بنُ الخَطَّاب: لا تُنْكَحُ المرأةُ إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان.
فإن قلتم: فهل نجدُ بيانًا في السنَّةِ يعضِدُ ما ذكرتَ؟
قلت: نعم، روينا في"الصحيحين"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا البكْرُ حتَّى تُسْتأذَنَ"قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال:"إذا سكتتْ فهو رضًا".
فلما نهى الأولياء عن الاستبداد عليهن حتَّى يؤامروهنَّ في أنفسهن دلَّ ذلك بطريق الإشارة على أن للأولياء حقًّا في نكاحِهن عند إذنهن؛ إذ لا مُنْكِحَ لهن غيرُهم، ولا يجوز أن يُحمل على الخاطِب؛ لأنه لا يتصور منه بغير إذن المرأة بحال، فلم يتصور النهيُ عنه، ولا نفيه أيضًا.
وثبتَ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجارية يُنْكِحُها أهلُها، أتستأَمرُ أم لا؟ فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"نَعَمْ تُسْتأمَرُ"، قالت عائشة: فإنها تستحيي فتسكتُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إذنُها إذا سَكَتَتْ"، فأسندت الإنكاح إلى أهلها، ولم يعترضْ عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء.
ومن استقرأ السُّنَنَ والسِّيَرَ، وجدَ ذلك أمرًا متقررًا من عادتهم، فقد أنكح أبو بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - بنتيهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأقرَّهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على عادتهم؛ لكونها من مكارم أخلاقهم.
فإن قلتم: لو كان الأمر كما قلتَ، لبيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مراتب الأولياءِ ودرجاتِهم وصفاتِهم المعتبرة؛ فإن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، وتأخير البيانِ عن وقت الحاجةِ غيرُ جائز.
قلت: البيان في ذلك موجودٌ من فعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وإقرارهِ لما كانوا عليه، فمعلومٌ أنَّه لا يُنكحُ رجل منهم امرأةً، وهناك من هو أقربُ منه، فلا يُقْدِم الابنُ على نكاح أخته وهناك أبوه، ولا ابنُ العم مع وجود أبيه، ولا الأبعدُ
مع وجود الأقرب، كلُّ ذلك كان سبيلَهم في كلِّ مقام عظيم؛ كوراثة الأموالِ وطلبِ الدماء، وقد أنكح خالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أمية. أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ بنِ حَرْبِ بن أُمَيَّةَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .