قال أبو الحسن الواحديُّ: وأجمع المفسرون على أن هذا الخطابَ للأولياء وبلوغ الأجل هاهنا هو انقطاع العدة؛ لأن النكاح لا يكون إلا بعدها، فنهى اللهُ - جلَّ جلالُه - الأولياء عن عَضْل النساء عن أن يَنْكِحْنَ أزواجَهن، وكذا غيرُ الأزواج في معنى الأزواج.
والآية نزلت في مَعْقِل بنِ يسارٍ المُزَنِيِّ قال: كانت لي أختٌ اسمها جمل تُخْطَبُ إليَّ، وأنا أمنعها الناس، حتَّى ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أتاني ابنُ عَمٍّ لها، فخطبها إليّ، فزوجتُها إياه، واصطحبا ما شاء الله أن يصطحبا، ثم طلَّقها طلاقًا له عليها رجعةٌ، ثم تركها حتَّى انقضتْ عِدَّتُها، فخطبها مع الخُطَّابِ، فقلت: يا لُكَعُ! خُطِبَتْ إليَّ أختي، فمنعتُها الناسَ، وخطبتَها إليَّ، فآثرتك بها، وأنكحتُكَ، فطلقتَها، ثم لم تخطِبْها حتَّى انقضت عدَّتُها، فلما جاءني الخاطب يخطبها، جئْتَ تخطبها! لا واللهِ الَّذي لا إله إلا هو ما أنكحتُكَها أبدًا.
وقال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فقلت: سمعًا وطاعة، فزوجتها إياه، وكَفَّرْتُ عن يمينى.
* فإن قلتم: فهل في الآية دليلٌ على أن أمر النكاح إلى الأولياء؛ لأن اللهَ سبحانَه نهاهم عن عَضْلهن، ولو تُصُوِّر نكاحٌ بدون وليٍّ، لم يتصور عَضْلٌ؟
قلنا: نعم، قال الشافعيُّ - رحمه الله تعالى -: إنما يؤمر بألّا يعضلَ المرأةَ من له سببٌ إلى العَضْل؛ بأن يتمَّ به نكاحُها، وهذا أبين ما في القرآنِ أنَّ للأولياءِ مع المرأةِ في نفسِها حقًا، وأن على الوليِّ ألَّا يعضلها إذا رضيت أن تنكَحَ بالمعروف.
فإن قلتم: فقد قيل: إن هذه الآية لا دليلَ فيها؛ لأنه ليس فيها أكثر من نهي قرابة المرأة عن منعها النكاحَ، وذلك لا يقتضي اشتراط إذنهم في صحة العَقْد، بل يفهم من النهي أن الأولياء ليس لهم سبيلٌ على من يلونهم، فهل نجد في السنَّةِ دليلًا يبيِّن ما قلت؟
قلت: نعم، حديثُ مَعْقِلِ بنِ يسارٍ؛ لأنه لو كان بيدها عقدُ النكاح، لم يكن ليمينه فائدة، ولكان لها أن تزوج نفسها، ولم يحتجْ إلى الحِنْثِ والتكفير.
فإن قلتم: فهل نجد في السنةِ دليلًا أبينَ من هذا؟