-وذهبَ الجمهورُ إلى نُقصانِهِنَّ عن الحرائرِ؛ قياساً على نقصانهنَّ عنهنَّ في الحَدِّ، فعدَّتهن قَرْآنِ؛ لأن القَرْءَ لا يَتبَعَّضُ، فكمل لها قَرآنِ، ولهذا روي عن عُمر - رضي الله عنه -: أنه قال: لو استطعْتُ أن أجعل عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَةً ونصْفاً، لفعلتُ.
فإن قيل: الحَدُّ مَبْناهُ على الدَّرْءِ والإسقاطِ، والعِدَّةُ مبناها على اللزوم والاحتياطِ، فلا يصلح الاعتبار.
قلت: لما شهد الشرع بالتفرقة بين الحرَّةِ والأمَةِ في براءة الرَّحِمِ؛ لنقصان الأمةِ وكمالِ الحُرَّةِ، فاكتفى في براءةِ رحمِ الأمة بحيضة في بعض الأحوال، ولم يكتف بذلك في الحرةِ أصلاً، صحَّ اعتبارُ النقصانِ بالنقصان، فالاعتبار في مقدار النقصان، لا في أصل النقصان.
* واتفق أهلُ اللسانِ كالأَصْمَعِيِّ وأبي عبيدة وغيرِهما على أن القَرْءَ يقع على الطُّهْرِ وعلى الحيض؛ لأنه اسم للوقت، فوقع على الطُّهْر والحيض، يقال: قَرَأَتِ المرأة: إذا دنا حَيْضُها، وقَرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها، فقال الشاعر: [البحر المتقارب]
إذا ما الثُّريّا وقَدْ أَقْرَأَتْ ... أَحَسَّ السِّماكانِ منها أُفولا
والوقتُ هنا علامة تَمُرُّ على المُطَلَّقة تُحْبَسُ فيها عن النكاح حتى تستكملها.
* واتفقوا على أنَّ المرادَ به أَحدُهُمَا، إما الطُّهر، وإما الحيضُ، واختلفوا في تعيينه:
-فقالت عائشةُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ: الأقْرَاءُ: الأطْهارُ. وبه قال
فقهاءُ المدينة، والزهريُّ، وربيعةُ ومالًا، والشافعيُّ.
قال الزهريُّ: ما رأيتُ أحدًا من أهل بلدنا إلَّا يقول: الأقراءُ: الأَطهارُ، إلا سعيدَ بنَ المسيِّب.
-وقال عمرُ وعلي وابنُ مسعودٍ وأبو موسى: الأَقراء: الحِيَضُ.
وبه قال الأوزاعيُّ وأهلُ الكوفة والثوريُّ وأبو حنيفة.
وعن أحمد روايتان.
واحتجَّ أصحابُ القولِ الأولِ بالحديث الثابتِ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أنه طلقَ امرأتَه وهي حائِضٌ على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَتغَيَّظَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال:"مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثُمَ تَحيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاءَ أَمْسكَهَا بعدُ، وإن شاءَ طَلَّق قبل أَنْ يمسَّ؛ فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساء".