ويُروى عنِ ابنِ عباس وزيدِ بنِ ثابتٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - ، وهو القولُ الجديدُ للشافعيِّ، والغفرانُ يختصُّ بالذنب لا بالكفّارة؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فَرأى غيرَها خيراً منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يمينِهِ، ولْيَأتِ الذي هوَ خَيْرٌ".
-وقال الحسن والنخعيُّ: لا تجبُ الكفارةُ، وهو القديمُ من قولِ الشافعيِّ.
* وعمومُ الآية يقتضي أن للعبد إذا آلى تربصَ أربعةَ أشهرٍ؛ لدخولِه في خِطاب الأحرارِ؛ كما قدمتُه في مقدمة كتابي هذا، وبهذا قال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر.
-وذهب مالكٌ إلى تنصيف مُدَّتِهِ قياساً على تنصيف حَدِّهِ وطَلاقه.
ويروى عن الزهريِّ وعطاءٍ وإسحاقَ.
-وذهب أبو حنيفة إلى اعتبارِ نُقْصانِ المُدَّة بالنساءِ لا بالرجال؛ قياساً على العِدَّةِ، وبه قال الحسنُ والنخعيُّ.
فأما اعتبارُ مالكٍ بالحَدِّ، ففاسدٌ؛ لأن الحدَّ حَقّ لله تعالى، ومبناه على الدَّرْءِ والإسقاط، والإيلاءُ حقّ للآدمي، ومبناه على التغليظ والاحتياط.
وأما اعتبارهُ بالطلاق، فأولى منه الاعتبار بمدة العُنَّة؛ لأن الشرع ضرب المدتين توسعةً للأزواج في إذا ما وجب.
وأضعف منه اعتبار أبي حنيفة بالعِدَّةِ؛ لأن الله سبحانه علَّق هذا الحكم بالرِّجالِ، وضرب هذا الأجل إنظاراً وتوسعةً، وعلَّقَ حكمَ العِدَّةِ بالنساء، فكيف يُعْتبرُ حكمٌ وجبَ للرجالِ بحُكْمٍ وجبَ على النساء؟
* وعموم الآية أيضاً يقتضي صِحَّةَ الإيلاءِ من الرَّتْقاءِ والقَرْناءِ،
والصغيرِة، والمريضةِ المضناة، وفي ذلك خِلافٌ بين الفقهاء.
-فمنهم من أخذ بالعموم.
-ومنهم من أخذ بالمعنى، وهو عدمُ المُضارَّةِ في حَقِّهن.
حتى ذهبَ مالك إلى أن مَنْ قصدَ المُضارَّةَ بتركِ الوطء ولم يؤلِ بلسانه يعتبر مؤلياً، والجمهورُ على خلافِه.
* وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} [البقرة: 227] ، وليس في الإماء طلاق، ولأنه لا يجب للمَمْلوك على مالكه شيءٌ غيرُ المؤنة.
* إذا تمَّ هذا فالإيلاء في لسانِ العربِ هو الحلفُ مطلقاً، قال الشاعر: [البحر الطويل]
فآليتُ لا أنفك أحدو قَصِيدةً ... تكون وإياها بها مثلاً بعدي