فإن ادَّعى الحنفيةُ الإضمارَ، وقالوا: التقديرُ: (فإن فاء فيها) ، أي: في المدة.
قلنا: تركُ الإضمار خيرٌ من الإضمار، إلَّا أن يَدُلَّ الدليلُ على وجوبِ الإضمار، فيضمر، ولا دلالةَ هنا.
الوجه الرابع: أضافَ اللهُ - سبحانَهُ - إرادة الطلاق إلى الزَّوْجِ، وقد أجمعتِ الناسُ على أنَّ صريحَ الطلاقِ ثلاثة، وليسَ انقضاءُ المُدَّةِ واحداً من الثلاثة، ولهذا كانتْ عائشةُ - رضي الله تعالى عنها - إذا ذُكر لها الرجلُ
يحلفُ أَلَّا يأتيَ امرأتَهُ، فَبَعُدَ عنها خمسةَ أشهرٍ، لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقَفَ، وتقول: كيفَ قالَ اللهُ سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .
-والإيلاءُ: هو اليمينُ والقسمُ على تركِ الجماع:
-فمن أهل العلم من لم يشترطْ في الجماع مُدَّةً، بل إذا حلفَ على قليل الزَّمانِ وكثيره كانَ مؤلياً.
وبه قال الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وابنُ أبى ليلى، ويروى عن عبدِ الله بنِ مسعود - رضي الله تعالى عنهم - .
وتمسكوا بظاهرِ قولهِ تعالى: {يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226] ، ولا مُتَمَسَّكَ لهم في الآية؛ لأن الله سبحانه ضربَ هذهِ المدَّةَ ليرجِعَ فيها المُؤلي عن المضارَّةِ، والعملِ بمقتضى يمينه، وذلك يقتضى أن تزيدَ المدةُ على أربعةِ أشهرٍ.
-وروي عن ابنِ عباسٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أَنَّ المُؤْليَ مَنْ حلفَ ألاَّ يصيب امرأته أبداً.
-وقال أبو حنيفة: أن يحلفَ على أربعةِ أشهرٍ فصاعداً؛ لكونه من لوازم قولهِ في المسألة الأولى.
-وقال الشافعي وموافقوه: هو أن يحلفَ على أكثرَ من أربعةِ أشهر؛ ليوافقَ مذهبَهُم في المسألة الأولى.
* والفَيْئَةُ في اللغة هي الرجوعُ، والمرادُ بها الوَطْءُ في حقِّ القادر. وأما المعذورُ، فيبينُ عذرهُ، ويقول: لو قدرت لفئت.
وقال عكرمة: فَيْئَةُ المعذور بالنِّية، وإليه ذهبَ أبو ثورٍ وأحمدُ.
والأولُ أولى؛ لأنه وإن كانت الفيئة توبة، والتوبةُ لا يُطْلَبُ فيها القَوْلُ، لكنَّها هنا تعلَّقَ بها حَقُّ الغيرِ، فاشْتُرِطَ بيانُ تركِ الظُّلْمِ والضّرر، ولا يحصل عِلْمُهُ إلا بالقول.
* والفيئة توجب الكفارةَ عند أكثر أهل العلم.