فأقول: حَرّمَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنين نِكاحَ المُشْركاتِ ابتداءً ودواماً، فقال هنا: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] ، وقال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] ، وهذا الخطابُ عامّ في الوَثَنِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، الذِّمِّيَّاتِ منهنَّ والحَرْبِيّاتِ، وسمَّى اللهُ سبحانَهُ الكِتابيَّ مُشْرِكاً؛ لقوله: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] ، ولقوله: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه} [التوبة: 30] ، وقوله: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] ، وكانَ ابنُ عمرَ - رضي الله عنهما - إذا سُئِل عن نكاحِ الرجلِ اليهوديَّةَ أو النصرانيَّةَ، قال: حَرَّمَ اللهُ المُشْركاتِ على المؤمنينَ، ولا أعرفُ شيئاً من الشِّرْكِ أعظمَ من أن تقولَ المرأةُ: ربُّها عيسى، أو عبدٌ من عبادِ اللهِ.
وأحلَّ اللهُ لهم نِكاحَ الكِتابياتِ في سورة المائدةِ، فقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] .
وهذا الخِطابُ لهم عامّ من وجهٍ، وخاصٌّ من وجهٍ، فخصوصُه في الكِتابياتِ دون الوَثنياتِ، فيقضى بخُصوص آيةِ المائدةِ على آية البقرة، وعمومُه في الذمِّياتِ والحربياتِ، في الحرائر منهنَّ والإماءِ، ولكنَّ اللهَ
سبحانَهُ حَرَّمَ الإِماء منهن، فقال في سورة النساء: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] ، فشرط فيهنَّ الإيمان، فيقضى بخُصوص آية النساءِ على عُموم آية المائدة، وبخصوصِ آية المائدةِ على عموم آيةِ البقرة، هكذا ترتيبُ هذه الآيات بعضِها على بعضِ، ويُعْمَلُ بجميعِها.
وقد اتفقَ العلماءُ على ترتيبِ آية البقرة على آية المائدة، إلا ما يُروى عن ابنِ عمرِ - رضي الله تعالى عنهما - من تحريم نكاح الكتابيات، وأن آية البقرة ناسخة لآيةِ المائدةِ، وقيل: إنه كَرِهه، ولم يحرِّمْه.
قال بعضُهم: ولا تصح عَنْهُ روايةُ التحريمِ.