فقال حمزة: أولئك المهاجرون، فقال له الأنصاري: بل نحن الأنصار، فتنازَعا، فجرَّدَ حمزةُ سيفَه، وعَدا على الأنصاريِّ، فلم يُمَكِّن الأنصاري أن يقومَ له، فترك ناضحَه وهرب، فظفر به حمزةُ، فجعلَ
يقطعُهُ، وجاءَ الأنصاريُّ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَعْدِياً، فأخبرَهُ بخبرِ حَمْزَةَ وفِعْلِهِ بالنَّاضِحِ، فغرم له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ناضحاً، فقال عمرُ بنُ الخطاب: يارسول الله! ما ترى ما لقينا من أمر الخَمْرةِ، إنَّها مُذهِبَة للعقلِ، مُتْلِفَة للمال، فأنزل الله عزَّ وجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] ، فكره شربَها قومٌ؛ لما فيها من الإثم، وشَرِبَها قومٌ آخرونَ للمنافعِ.
قال قتادَةُ: ذمَّها الله سبحانه في هذه الآية، ولم يُحَرِّمْها، وهي يومئذٍ حلال.
وأضاف عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قوماً، فأطعمهم وسقاهم الخمرَ، فلما حضرَ وقتُ صَلاةِ المَغْرِب، قدَّموا رجلاً منهم يصلِّي بهم، فقرأ بفاتحةِ الكتاب، وقُلْ يا أَيُّها الكافرون، فخلط، فحذف كلمات (لا) ، فأنزل اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] الآية. فتجنبوا الشُّرْبَ أوقاتَ الصلاةِ، فكان الرجلُ منهم يشربُ بعدَ صلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، ثم يرقُدُ فيقومُ عندَ صَلاةِ الفَجْرِ، وقد صَحا، ثم يشربها إن شاءَ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، فيصحو منها عندَ الظهْرِ إلى العشاءِ الآخِرَةِ، حتى دعا سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ - وقد عملَ وليمةً
على رأسِ جَزورٍ لهُ - ناساً منَ المُهاجرين والأنصارِ، فأكَلُوا وشَرِبوا فافتخروا، فعمدَ رجل منَ الأنصارِ، وأخذَ أحدَ لَحْيَيِ الجَزورِ، وضرب بهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وجاءَ سعدٌ مُسْتَعْدياً إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزلَ اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} : [المائدة:90 - 91] ، فقالوا: انتهينا يارسول الله.