فأما على تأويل الفَرّاءِ فظاهرٌ.
وفأما على تأويلِ غيرِه، فإنَّ الإحرامَ من جملةِ الحَجِّ، ولم يقعْ إلا في الأشهر المعلومات.
-وذهب مالكٌ والثوريُّ وأبو حنيفةَ إلى صِحَّةِ الإحرام بالحجِّ قبل أشْهُرِه.
* وتخصيصُ الله - سبحانه - الحجَّ بالتوقيتِ يُفْهِمُ أَنَّ العُمْرَةَ ليستْ مثلَهُ، وليس لها وقتٌ مخصوصٌ.
وعلى هذا القولِ اتفقَ أهلُ العلم، فأجازوها في جَميع السنة؛ لأنها كانت في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَة".
وإنما اختلفوا في تكريرها في السَّنَةِ، فكرههُ مالكٌ، واستحسنه الشافعيُّ وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى.
* وبيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الميقاتَ المَكانيَّ، فروى ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشامِ الجُحْفَةَ، ولأهل نجدٍ قَرْنَ المنازلِ، ولأهل اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ ولمنْ أَتى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحجَّ والعمرةَ، ومنْ كان من دونِ ذلك فمِنْ حيثُ أَنْشَأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ.
* وقد اتفق العلماء على اعتبارِها، وإنما اختلفوا في صفته، وموضعُ تفصيلِ ذلك كتبُ الفقهِ، والله أعلم.
الجملة الثانية: قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .
* حرم الله - سبحانه - فيها الرَّفَثَ، وهو الجِماعُ؛ كما قالَه ابنُ عباسٍ - رضيَ اللهُ عنهما - على من فرضَ الحَجَّ في أشهُره، وقد أجمعت الأمةُ على تحريمِه، وعلى أنه مفسدٌ للحجِّ، وعلى وُجوبِ الكَفَّارة فيه، والمضيِّ في فاسدِه؛ لقولِه تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
* وإنما اختلفوا في الوقتِ الذي يُفْسِدُهُ؟
فقال قوم: يفسد الحجَّ مطلقًا.
وقال قوم: لا يفسدُه إلا إذا وقعَ قبلَ التَّحَلُّل الأصغر.
* وبَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن ما كانَ من أسبابِ الرفثِ ودواعيه، فهو حرامٌ، فقالَ:"لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطِبُ".
* ومفهومُ هذا الخِطاب يقتضي أنَّ من فرضَ الحجَّ في غيرِ أشهُره، فله أن يرفُثَ، وذلك يستلزمُ عدمَ صِحّةِ فرضِه، وبهذا قال بعضُهم.