فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 157

وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك - ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم:"ورهبانية ابتدعوها"- الآية - فمن أمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون) يعني الذي تهودوا وتنصروا .. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم, أي إن الأولين أصروا على الكفر -

فما رعوها حق رعايتها أي فما قاموا بها حق القيام. وهذا خصوص, لأن الذين لم يرعوها بعض القوم, وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم, كما قال تعالى: {"يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله" [1] } .وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر.

وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى:"ورهبانية ابتدعوها"قال:

(كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل, وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والأنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى, فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ابنوا لنا أسطوانة ارفعونا فيها, وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح, ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية, فإذا قدرتم علينا فاقتلونا. وطائفة قالت: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحفر الآبار ونحرث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا, فمضى أولئك على منهاج عيسى, وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك, وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم, فذلك قوله تعالى:"ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله"الآية. يقول: أبتدعها هؤلاء الصالحون"فما رعوها"المتأخرون"حق رعايتها".

(1) سورة التوبة الآية 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت