فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 248

بالذنب، إنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية ذنبه، لأن العدوانية في هذه الحالة تهدد وجوده بالانفجار، وهكذا لا يجد أمامه من سبيل إلا اتهام الآخرين بالذنب، وبالتالي بالعدوانية. إنه يصب عدوانيته فيهم وعليهم ويجعلهم ممثلين لها، حاملين أوزارها وأوزار تقصيره الوجودي. تحويل الآخر بهذا الشكل إلى مصدر للعدوانية ورمز لها، يفسح المجال في مرحلة تالية الإمكانية تبرير الاعتداء عليه. الاعتداء يصبح مشروعة لأنه يتخذ طابع الدفاع عن النفس: إذا کنت عدوانية تجاه الآخر، فما ذاك إلا كي أدافع عن نفسي ضد التهديد الذي أتعرض له من عدوانيته. ثم إن إلصاق العيب الذاتي بالآخر يحوله إلى رمز للنقص والعار. نتخلص بذلك من عارنا الذاتي من ناحية (مما يمكننا من استعادة بعض الاعتبار الذاتي) ، ونجعل الاعتداء عليه مشروعة ومبررة لأنه عدوان على رمز العيب والعار. الاعتداء على الآخر انطلاقا من هذه الوضعية، ليس اعتداء على قيمة إنسانيته، بل هو بكل بساطة تحطيم لرمز السوء والعار. من خلال الوضعية الاضطهادية يتحول الآخر إلى عقبة تعرقل الوصول إلى تحقيق الذات. وبمقدار ما تترسخ هذه النظرة عن الآخر کعقبة، يفقد إنسانيته تدريجيا في نظرنا، ويتحول إلى أسطورة شر ليس هناك من التزام تجاهها أو حرمة لوجودها، بل على العكس لا بد من القضاء عليها في حالة من التشفي. وهو فعل يتخذ طابع القضاء على العقبة الوجودية، مما يجعلنا نفهم السهولة المذهلة التي يتم فيها العدوان.

في المرحلة الاضطهادية إذا، تسقط مشاعر الذنب والتبخيس الذاتي على الآخر، لا المتسلط بل الشبيه، الآخر المقهور أو الأكثر شهرة. وتوجه إليه العدوانية المتراكمة متخذة طابع الحقد المتشفي، والهدف من ذلك هو تحطيم الصورة غير المقبولة عن الذات التي يعكسها للإنسان المقهور من هو أكثر غبنة منه، مما يعطيه انطباعة، ولو وهمية، بالإفلات من ذلة القهر. أما تجاه المتسلط فتبدأ العدوانية بالظهور نحوه، إنما من خلال التعبير اللفظي والرمزي، وكل أشكال التعبير غير المباشر الذي لا يتضمن مجابهة صريحة، وهكذا يخلق مناخ عام من العنف يسبغ العلاقات الاجتماعية بمجملها بطابعه.

وهذا المناخ وما يتضمنه من أسلوب متوتر في التفاعل، كان بدوره مصدرة استغله المستعمرون والمتسلطون الداخليون، حين فسر بشكل مزور على أنه جزء من طبيعة بعض الشعوب التي عانت طويلا من القهر. تلك الشعوب اكتسبت شهرة الدموية أو العناد ورکوب الرأس أو العدوانية، التي فسرت جميعة بأسباب عرقية أو ما شابهها من التفسيرات المجحفة، التي لا هدف لها سوى تبرير البطش الذي ينزله المستعمر أو المتسلط الداخلي بها: إنهم لا يفهمون سوى لغة القوة .. اللطف لا يجدي معهم .. لا يجوز التساهل معهم، لأنهم سيستجيبون بالعنف والتخريب، سيتطاولون على أرباب نعمنهم .. هنا نلاحظ مازنة آخر بشر فيه الإنسان المقهور. إنه ضحية عنف مزمن ومنظم، ولكن يطلب منه أن يكون مهذبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت