فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 248

التخلف لم تستطع أن ترى منه سوى هذه المرحلة التي تتصف بالعجز والقصور على جميع الأصعدة، وهو أمر يدعو للدهشة حقا، نظرا لما بعتوره من عمى إدراكي، يؤدي فعلا إلى تبخيس مقصود، أو لا إرادي لهذه الشعوب ولطاقاتها التغييرية الكامنة حين لم تر سوي الكسل والجهل والمرض، والرضوخ والغرق في الخرافة والقدرية. تلك هي مشكلة الملاحظة الخارجية والنظرة التي تظل طافية على السطح، والتي لا تدرك سوى الظواهر الخادعة، وهي في الحقيقة مشكلة البرود الإنساني، انعدام التعاطف مع الإنسان المتخلف موضوع البحث والنظر إليه كظاهرة مادية جامدة. إنها لم تستطع الغوص في وجدان هذه الشعوب المقهورة کي تتلمس بذور التمرد والانتفاضة التي تنمو في أحشائها بصمت وبطء ولكن بشكل أكيد وحتمي، وعندما تحين ساعة الانتفاض تتفجر الطاقات التغييرية التي تفاجئ أول ما تفاجي الفئة المتسلطة داخلية وخارجية وتتجاوز في مداها تصورات أكثر الملاحظين الخارجيين تفاؤلا

ولكن بين هذه الانتفاضة وبداية عملية القهر الإنساني تعيش الشعوب المتخلفة ليلا طويلا تجتر خلاله مأساة المعاناة الوجودية.

أبرز ملامح هذه المرحلة اجتياف (1) عملية التبخيس (2) التي غرسها المتسلط في نفسية هذه الجماهير، تتمثل عدوانيته وقهره ذاتية على شكل مشاعر إثم ودونية. يزدري إنسان العالم المتخلف ذائه ويخجل منها ويود لو تهرب من مواجهنها، كما ينقم عليها في الوقت نفسه. وهنا يكيل النعوت السيئة لنفسه، متهما إياها بالتقصير والتخاذل والجبن. يميل إلى إنزال العقاب بنفسه حتى أنه يرى أحيانا في القهر والظلم الإنسانيين، كما في قسوة الطبيعة واعتباطها، عقابة مستحقة له على تخاذله واستكانته، وبذلك يصبح حليف المتسلط الأول في حربه ضد وجوده، ووجود الآخرين أمثاله. بينه وبين هؤلاء تقوم علاقة ازدراء ضمني، لأنهم يعكسون له مأساته وعاره، كما يعكس مأساتهم وعارهم. ويصيب المرأة والاتباع، في عملية التحفير هذه النصيب الأوفر. نصب عليها كل مشاعر العار والضعف، والعجز والرضوخ، العار غير المحتمل، نظرا لما يولده من آلام معنوية وما يفجره من قلق حول انهيار قيمة الذات، لا بد له من أن يفرغ بصبه على الخارج، على العناصر الأضعف والأقل حظا. وهكذا تسفل المرأة من خلال أدوار الرضوخ التي تفرض عليها (رضوخ للأب وللأخ ثم للزوج) ، تحول إلى أداة للمصاهرة والإنجاب، إلى خادمة، إلى المعبرة عن المأساة، إلى الإنسان العاجز القاصر الجاهل الغبي الذي يحتاج إلى وصي، تماما كحال الإنسان المقهور أمام القوى التي تسلطت عليه، فما بلقاء من تبخيس ومهانة، وما يفرض عليه من تبعية يعود فيمارسه

(1) اجتباف Introjection .

(2) تبخيس Depreciation

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت