نموذجة لذلك في التسلط الإقطاعي أو التسلط الاستعماري. ففي الحالتين لا يتم التفاهم والحوار إلا بلغة السياط. يعمل كلاهما على خنق كل انتفاضة الإنسانية الإنسان المقهور، أو حتى مجرد التفكير بهذه الانتفاضة، التفكير بالتعبير عن حقوقه. فالحق هو حق السادة والحياة في حياتهم فقط. السيد المحلي وحليفه المستعمر يقوم كلاهما يوميا بإدخال العنف إلى عقول وبيوت المستعمرين،، يدخلان في وعيهم أنهم ليسوا بأناس، إنما هم أشياء 1. كلاهما ينظر إلى أبناء الفئة المستغلة ككائنات هزيلة، مستضعفة وجبانة، ولا بد أن تبقى على هذه الحالة، الا بالإقناع والمنطق، بل بالقوة والقسر. وبمقدار ما يبخس الإنسان المقهور، ويفرض عليه الانحطاط والشقاء، يصبح اتكالية مستكينا مستضعفا. وهذا بدوره يؤكد في ذهن المتسلط أسطورة تفوقه وخرافة غباء وعدم آدمية الإنسان المستضعف. من الأمثلة البارزة على ذلك نظرة الامبريالية الصهيونية إلى العرب. إنها نظرة ازدراء واحتقار. بينما ينظر الصهيوني إلى نفسه بتعالي وتفوق من خلال نشر أساطير القدرة في الإنتاج والعلم والغني والحرب. أما العربي فيصور ككائن جاهل متأخر، أهوج، لا يفيد ولا يستفيد شيئا من البيئة حوله 2. تلك كانت صورة الإنسان العربي قبل الغزو الصهيوني لفلسطين في كتابات زعمائهم (هرتزل، الدولة اليهودية) ، من أنه لن يكون للعرب سوى وظيفة واحدة وهي القيام بالأعمال المنحطة تنظيف وجمع القمامة، تجفيف البرك، ملاحقة الثعابين وتطهير الأرض منها، الخ ... ).
بقدر ما تتضخم «أنا السيد» ، وينهار الرباط الإنساني بينه وبين المسود، يصبح الأول أسير ذاته، وينحدر الثاني إلى أدنى سلم الإنسانية. ويصبح عنف علاقة التسلط مضافة ومتفاعلا مع قسوة الطبيعة واعتباطها، هو القانون الذي يحكم حياة الإنسان المقهور بأجمعها
على مختلف مستوياتها وأوجهها وتفاصيلها) يعمم نموذج التسلط والخضوع على كل العلاقات وعلى كل المواقف من الحياة والآخرين والأشياء. تتسم علاقة الرئيس بالمرؤوس بهذا النمط التسلطي الرضوخي، كما تتسم به علاقة الرجل بالمرأة والكبير بالصغير، والقري بالضعيف، والمعلم بالتلميذ، والموظف ورجل الشرطة بالمواطن. كل سلطة، مرتبية كانت أم طبيعية، تصطبغ لا محالة بهذه الصبغة. حتى الموقف من الحيوان والجمادات يتميز بالموقف التسلطي الرضوخي نفسه، تثبت علاقة القهر والرضوخ بما تحمله من عنف في نسيج الحياة النفسية بجوانبها الانفعالية والعاطفية والذهنية. حتى الحب يعاش في البلاد النامية تحت شعار التسلط والرضوخ، تسلط المحبوب ورضوخ الحبيب .. حتى حب الأم لأبنائها بكل ما يتميز به من
(1) بسام طيبي، نظرية قانون عن العنف وتأثيرها بالفلسفة الهيجلية، مجلة دراسات عربية، السنة السادسة، العدد 7، بيروت 1970
(2) د. إبراهيم سعد الدين، فرانز فانون وفلسفة العنف الثوري، مجلة دراسات عربية السنة السادسة، العدد 4، بيروت 1970