احتلاله. بالطبع هذه السلسلة تترابط حلقاتها لما تقوم بينها من مصالح، كي تقيده وتفقده السيطرة على مصيره، فارضة عليه قانونها الذي يتميز أساسا بالاعتباط، وبذلك يصبح الإنسان الذي لا حق له، ولا مكانة، ولا قيمة، إلا ما شاء الطرف المتسلط أن بنكرم به عليها
لا يجد الإنسان المقهور من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام، والمبالغة في تعظيم السيد، اتقاء شره أو طمعا في رضاه. إنه يعيش في عالم بلا رحمة أو تكائز إذا أراد المجابهة أو فكر في التمرد. فسباني الرد عندها حاسمة يقنعه بقمع أفكاره التمردية. إن عالم التخلف هو عالم التسلط واللاديمقراطية، يختل فيه التوازن بين السيد والإنسان المقهور، ويصل هذا الاختلال حدة تتحول معه العلاقة إلى فقدان الإنسان لإنسانيته، وانعدام الاعتراف بها وبقيمتها. تنعدم علاقة التكافؤ لتقوم مکانها علاقة التشيو".1"
بدل علاقة أنا - أنت التي تتضمن المساواة والاعتراف المتبادل بإنسانية الآخر وحقه في الوجود، ذاك الاعتراف الذي يشكل شرط حصولنا على إنسانيتنا من خلال اعتراف الآخر بنا كقيمة إنسانية، بدل هذه العلاقة تقوم علاقة من نوع أنا - ذاك. ذاك هو الشيء، هو الكائن الذي لا اعتراف به، بإنسانيته وقيمتها، أو بحياته وقدسيتها، باعتباره شيئا، يصبح كل ما يتعلق به أو ما يمت إليه مباحة (غبن، اعتداء، تسلط، استغلال، قتل، الخ ... ) ، ذلك هو الإنسان المقهور، إنسان العالم المتخلف. على العكس تتضخم ذاتية المتسلط بشكل مفرط يحتوي الآخر الشيء، ويجعله تابعة له وأداة لخدمته في حالة من طغيان الأنوية 2. لا اعتراف إلا ب أنا - السيد، لا حياة إلا له، لا حق إلا حقه. مما يجعل كل تصرف، كل نزوة، كل استغلال وتسلط مبررة كجزء من قانون الطبيعة. وبمقدار ما تتضخم ذات المتسلط تفقد ذات التابع المسود أهميتها واعتبارها حتى تكاد تتلاشى إنسانيتها كلية. والواقع إن السيد لا ينظر إلى الآخر المقهور كإنسان فعلي. إنه يفقد التعاطف معه والإحساس بمعاناته وآلامه ومخاوفه وحاجاته. ومن هنا تلك القسوة البادية في تصرفاته تجاه من يخضعون له، تلك اللامبالاة تجاه معاناتهم.
تحتاج علاقة القمع باستمرار إلى تغذية نرجسية السيد، إلى مزيد من تضخم أناه، حتى لا يتهددها بروز الحس الإنساني، بروز التعاطف النابع من التكافؤ بين الذاتية والغيرية. ومن هنا استمرار العنف والتعسف، واستمرار التبخيس الذي يصيب إنسانية الإنسان المقهور. نجد
(1) التشيز Chosification
(2) الأنوية Egocentrisme