فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 248

بالإضافة إلى ضرورته، يضع المشكلة في إطارها الصحيح. فالعلاقات الإنتاجية الإقطاعية لا تسمح، كما سترى، بالتطوير الاجتماعي الكلي، وهي تعتبر في رأي معظم الباحثين المحدثين المعرقل الأساسي لعملية النمو.

ويورد المؤلف، من هذا المنظور، تعريفا قدمه أوسكار لانج لخصائص الاقتصاد المتخلف على النحو التالي: «إنه اقتصاد لا يكفي مجموع رؤوس الأموال المتوفرة فيه، الاستخدام اليد العاملة المتاحة، على أساس التقنية الحديثة للإنتاج ولا لاستثمار الثروات الطبيعية، (المرجع نفسه، ص 22) . واضح أن هذا التعريف يركز على مشكلة رأس المال من ناحية وعلى أدوات الإنتاج من ناحية ثانية. ولكن يؤخذ عليه أن رأس المال، المتوافر أحيانا، كما هو حال بعض الدول النامية الغنية، لا يوظف في غابات إنتاجية، إنما بصرف في أغراض استهلاكية استعراضية. أما مسألة قلة الأطر الفنية، وبدائية وسائل الإنتاج، فهي نتائج لعوامل أعمق منها، تضرب جذورها في بنية المجتمع المتخلف.

ولقد أصبح واضحة لمعظم الاختصاصيين في التنمية صعوبة السير في الطريق التقليدي، أي الاكتفاء بتأمين رأس المال والتقنية. فالصناعة كما يقول «رستوه (ذكره الاكوست» في كتابه السابق ص 48 لا تكفي وحدها لتصنيع بلد ما. إن التصنيع ظاهرة أكثر اتساعا وتعقيدة من الصناعة التصنيع هو مجمل الخصائص الاقتصادية والاجتماعية التي هي أسباب ونتائج النمو الصناعي الذي شهدته البلدان المصنعة منذ القرن التاسع عشر.

إن البلدان النامية لا تفتقر إلى الصناعة المتطورة ولا إلى الزراعة المتطورة كلية. إنها ليست مطلقة ما كانت عليه البلدان الصناعية قبل الثورة الصناعية. ولكن التصنيع والتطور الزراعي فيها بنصفان بخصائص مميزة ليس لها سابقة في تاريخ البشرية.

هناك في الزراعة، قطاع تشغله النسبة الكبرى من اليد العاملة بين المواطنين، ولكنه ذو إنتاج هزيل، إنه القطاع الوطني، وثمة إلى جانبه قطاع آخر متقدم جدأ، وذو إنتاجية عالية، ولكنه محدود في حجمه وهو حكر على المستعمرين وعلى حلفائهم في الداخل، تذهب نتائجه إلى الخارج أو تتركز في أيدي القلة ذات الامتياز.

أما على المستوى الصناعي، فيقول الاكوست (ص 48 وما بعدها) بوجود تناقض صارخ بين قطاع الجرف ذات الطرق البدائية والقطاع الصناعي المتقدم والحديث، والانفصال الاقتصادي بينهما شبه تام. فالجرف من نصيب سكان البلاد، أما القطاع الصناعي فهو يخص القلة أو المستعمر، وهو متوجه إلى الخارج أساسا، من حيث الاستيراد والتصدير ومصير الأرباح، هذا القطاع المتقدم يظل معزولا اجتماعية، لا تأثير له في تغيير بنية المجتمع وتطويرها، كما أن مردوده المادي لا ينعكس على المستوى الشعبي رخاء وازدهارة. ثم إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت