السابقة، لا تحاول التغيير ولا تقوى عليه، بل تهدف إلى التأقلم والتلاؤم مع الوضعية الراهنة بشكل يخفف من وطأتها، ويكفل شيئا من الانسجام الوجودي، كما يكفل نوعا من تحقيق الذات الظاهري. ولكن هذه الحلول الدفاعية، بما تتصف به من سلبية وفتور أساسا، لا تلبي الحاجات الحيوية على المدى الطويل. ولهذا فهي ملغومة من الداخل، من خلال قصورها عن التغيير. ولا بد أن يعود التوتر إلى الارتفاع، والتوازن إلى الاختلال بعد فترة تطول أو تقصر، مما يدفع الإنسان المقهور في النهاية إلى الحلول التغييرية.
إنما العلاقة بين هاتين الفنتين من الحلول ليست قطعية (من نوع إما أو) ولا هي متتالية تاريخية، يغلب على وضعية الإنسان المقهور تواجد الحلول من الفتين، وتداخلها باستمرار في كل مرحلة من مراحل التاريخ. الحلول الدفاعية تتضمن دوما بذور المقاومة والتغيير. ولكن هذه البذور قد يطول بها العهد قبل أن تنبت، وبطول بها العهد أكثر فأكثر قبل أن تعطي ثمارها، مما يبقي الإنسان المقهور في حالة تقاوم التغيير، كما إن الحلول التغييرية ليست صافية مطلقة، إنها تتفاوت من حيث فعاليتها بدرجات كبيرة، نظرة لاستمرار تأثير الحلول الدفاعية بشكل يعوق مسيرة التغيير. ولا بد من لجم فعالية هذه الحلول الدفاعية والوعي بها وبتغلغلها في الممارسة والنظرة إلى الوجود، حتى يصل التغيير حد الفعالية المعقولة.
إن العديد من ممارسات وتوجهات الإنسان المتخلف ونظرته إلى ذاته وإلى وجوده، والتي قد تبدو ظاهرية عناصر لا رابط بينها، هي في الحقيقة نماذج من الدفاعات والحلول التي يجابه بها وضعيته المازقية. هي تلتصق بكيانه إلى درجة تأخذ معها طابع أسلوب الوجود المتميز باستقرار نسبي. وبمقدار استقراره بشكل عقبة في وجه التغيير الاجتماعي. >
ولا يمكن لبحث تمهيدي كهذا أن يحيط بها جميعا، نظرا لتعددها وتنوع مظاهرها. لا بد له أن يقتصر على الخوض في أبرز أشكالها، ولذلك نكتفي بالحديث عن أربعة أساليب أساسية تنتظم في أزواج متناقضة في اتجاهها متكاملة جدلية في تضادها. وهي تأخذ بالتالي شکل تحرك يتصف بالتجاذب في اتجاهه. هذا التجاذب يميز سلوك الإنسان المقهور ونمط وجوده على الدوام.
التحرك الأول يسير على محور التقرب من المتسلط والتمامي به من ناحية، والابتعاد عنه والذوبان في الجماعة من ناحية ثانية. وبمقدار ما يتقرب الإنسان المقهور من المتسلط، يتنكر لجماعنه الأصلية، وعلى العكس، بمقدار ما يتنكر للمتسلط ويبتعد عنه، يندمج في جماعته الأصلية، التي تشاركه قدره ووضعيته لدرجة الذوبان في الانتماء إليها.
التحرك الثاني يسير على محور القتال والعنف ومجابهة المتسلط من ناحية، والهروب المستسلم في الحلول الفاترة السحرية والاتكالية والخرافية من ناحية ثانية. وهنا أيضا يسود